
يونس باكسوي - حرييت - ترجمة وتحرير ترك برس
الفكرة التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هي: لنعقد قمة روسية أمريكية صينية في الصين الشهر المقبل.
من أين أتت هذه القمة الكبرى، التي لا مناسبة لها ولا مبرر ظاهرًا؟ وما الهدف منها؟ هل سيجري تقاسم مناطق النفوذ في العالم؟ وهل سيُبعث مؤتمر يالطا لعام 1945 من جديد؟
تعالوا نلقِ نظرة على هذه الأسئلة...
انطلقت الشرارة قبل 12 يومًا، عندما تحدث ترامب وبوتين هاتفيًا.
أعلنت الولايات المتحدة وروسيا فجأة عن اتفاق بشأن الديزل.
مُنحت استثناءات من العقوبات الأمريكية المفروضة على مبيعات روسيا من البنزين والديزل.
فُرضت قيود على المعلومات الاستخباراتية عبر الأقمار الصناعية التي تحصل عليها أوكرانيا من الولايات المتحدة بواسطة «ستارلينك» و«ستارشيلد».
قال ترامب إن الوقت قد حان لرحيل زيلينسكي.
توجّه لافروف، وزير خارجية بوتين، إلى طهران، وقال إن «مضيق هرمز يجب أن يعود إلى وضعه قبل الحرب».
عندما ننظر إلى هذه التطورات، نرى أن واشنطن وموسكو دخلتا فجأة في حالة من المغازلة السياسية والجيوسياسية.
فلماذا؟
بعد هذه التطورات مباشرة، علمنا أن بوتين اقترح على ترامب، خلال تلك المكالمة الهاتفية، تحقيق أمنية طالما عبّر عنها: «لنجتمع أنا وأنت وشي جين بينغ».
هدف بوتين هو مناقشة أوكرانيا.
وقد جُرّب ذلك من قبل. اجتمعوا في ألاسكا من دون دعوة أوكرانيا، لكنهم لم يتوصلوا إلى شيء. واجتمعوا في السعودية، ولم يتوصلوا إلى شيء أيضًا.
فما المختلف هذه المرة؟ أم أن إشراك الصين هذه المرة سيتيح تسوية ملفي أوكرانيا وروسيا، والولايات المتحدة وإيران، معًا؟
هل يتمثل الإطار المطروح هنا في قطع كل الدعم عن أوكرانيا وإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مقابل إعادة مضيق هرمز إلى وضعه السابق وإخراج اليورانيوم المخصب الإيراني إلى خارج البلاد؟
وماذا عن الصين؟ هل ستُقدَّم للصين ضمانات بشأن تايوان؟
ليس التخطيط لهذه القمة الثلاثية وحده ما دفعني إلى طرح هذه الأسئلة، بل إن التطورات التي ذكرتها أعلاه جعلتني أفكر فيها أيضًا.
لنتأمل الصورة الشهيرة لمؤتمر يالطا. كان فرانكلين دي روزفلت يمثل الغرب، ووينستون تشرشل يمثل أوروبا، بينما كان جوزيف ستالين يمثل الشرق.
أما هذه المرة، فسيبقى المقعد الأوروبي شاغرًا، في حين سيمثل دولتان الكتلة الشرقية.
حقًا... ما موقف أوروبا من هذه القمة؟ أم هل سيكون لها موقف أصلًا؟
هل سينسحب البريطانيون إلى مقاعد المتفرجين ويراقبون من بعيد، للمرة الأولى منذ مئات السنين؟ أم سيواصلون دعم أوكرانيا حتى آخر رصاصة، ويتبعون استراتيجية «سأفسد هذه الصفقة»؟
لم أؤمن يومًا بنظريات من قبيل «خذ هذا وأعطني ذاك». لكن محاولة بوتين إقامة مثل هذه الطاولة لا تترك أمامي احتمالًا آخر يستحق التفكير فيه.
ومع ذلك، لدي شكوك جدية بشأن هذه «القمة الكبرى لتقاسم مناطق النفوذ».
فما دامت أوروبا لا تزال قادرة على لعب دور المعرقل في ساحة المعركة الأوكرانية، وما دامت الولايات المتحدة تحتفظ في أوروبا بأكثر من 100 ألف جندي وعشرات القواعد العسكرية لخدمة هيمنتها العالمية، فإنني أنظر، على الأقل في الوقت الراهن، بتحفظ إلى تصور عالم يجتمع فيه هؤلاء الثلاثة ليتحكموا في مصير الكون.
ماذا كنتم تتوقعون؟
المعروف... أن حربًا غريبة تدور منذ الأيام العشرة الماضية عبر أقمار إيلون ماسك الصناعية.
دعوني ألخّص الأمر باختصار: أقمار ماسك الصناعية هي «ستارلينك»، أما الخدمة التي تقدمها ستارلينك للحكومة الأمريكية فيُطلق عليها اسم «ستارشيلد».
توفر «ستارشيلد» لأوكرانيا الحماية من الطائرات المسيّرة الروسية الانتحارية. أي إن أوكرانيا تصبح شبه عاجزة عن الدفاع عن نفسها في مواجهة المسيّرات الروسية من دون «ستارشيلد».
قالت أوكرانيا: «لقد مات عدد كبير من مواطنينا وأُصيب مئات آخرون بسبب إبطاء خدمة ستارشيلد».
يقول ترامب: «لم أكن على علم بذلك». ويقول ماسك: «الأمر ليس بيدي، بل بيد الحكومة». أما التسريبات الإخبارية فتشير إلى أن «الأمر صدر عن البيت الأبيض».
وبعد هذه الأخبار، جنّ جنون الأوروبيين غضبًا، لكنهم استخلصوا منها درسًا أيضًا، قائلين: «لا يمكننا الوثوق بالولايات المتحدة في ما يتعلق بهذه الأنظمة الحيوية».
أليس هذا أمرًا طبيعيًا... ففي العام الماضي أيضًا، كان مقاتل «إف-35» موضوع نقاش في أوروبا، وأصيب الألمان بالذعر قائلين: «إذا أرادت الولايات المتحدة، فبإمكانها تعطيل طائرات إف-35».
وقبل أن تتخذ أوروبا موقفًا، جاء التهديد من الولايات المتحدة. فقد قال سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي:
«إذا فرضتم قيودًا على شركة سبيس إكس أو غيرها من الشركات الأمريكية في السوق الأوروبية، فسنسحقكم». هذا ما قاله حرفيًا...
وكأن ما شهدته الأشهر الثمانية عشر الماضية لم يحطم ثقة أوروبا بالكامل، حتى يأتي هذا التهديد أيضًا... فهل سيبقى بعد الآن من يثق بالتكنولوجيا الأمريكية ويعتمد عليها في أعماله؟
لكن هل هم مخطئون؟
ما الذي يعتقده بشأن ناخبيه؟
عندما قال ترامب للناخبين، خلال تجمع انتخابي الأسبوع الماضي: «حتى لو صعدت إلى هنا وقلت أكثر الأشياء غباءً، فأنتم تصفقون لي على أي حال وتقولون إنكم تحبونني»، شكّ بعضهم في الأمر...
وتساءلوا: «هل كان ترامب يسخر من نفسه؟ أم أنه لم يكن يقصد فعلًا ما قاله؟»...
لكن الحقيقة أن ترامب شخص يقول مباشرة ما يفكر فيه، ولا يُظهر شيئًا ويُبطن غيره.
وإذا لم تصدقوه، فانظروا إلى هذه «القنبلة» التي أطلقها خلال تجمع انتخابي في اليوم الآخر...
كما تعلمون، كان ترامب قد وعد الجميع بشيك بقيمة 5 آلاف دولار إذا فاز الجمهوريون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ معًا.
فقال: «إذا جئتم إلى مارالاغو، فلن تستطيعوا شراء أكثر من شطيرة هامبرغر وحلوى صغيرة بمبلغ 5 آلاف دولار».
هذه هي المزحة التي أطلقها بينما يعاني الناس من غلاء المعيشة إلى حد الإنهاك. والآن، احكموا بأنفسكم: هل كان يقصد ذلك فعلًا، أم أنها زلة لسان؟
انظروا من يتحدث عن تفوق العرق الأبيض!
بالطبع، تستغل حركة ترامب الأحداث التي شهدتها فرنسا خلال الأيام الأخيرة لتحقيق مكاسبها أيضًا...
لنأخذ مثلًا نائب الرئيس جي دي فانس. فانس، الذي يُنظر إليه باعتباره الوجه التالي لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA) بعد ترامب، ماذا تظنون أنه قال؟
لقد نقل الليبراليون اليساريون الغربيون دول العالم الثالث إلى فرنسا وغيرها من البلدان باسم التنوع والتعاطف.
لقد قيل لهم إن الأمور ستصل إلى هذه المرحلة، لكنهم لم يصغوا.
والآن، سأفعل شيئًا لا أحب فعله على الإطلاق... سأعرض صورة لفانس مع زوجته وعائلته، الذين أكنّ لهم احترامًا كبيرًا وأرى فيهم أشخاصًا أعزاء.
أليس من المضحك أن يظل فانس، الذي تنحدر زوجته وأطفاله وأقاربه من أصول هندية، والمرتبطون إلى حد كبير بالثقافة الهندية، متمسكًا بشدة بدعاية «إبادة البيض» هذه؟
وماذا عنك يا فانس... أليست أنت أيضًا تمارس ما تتهم فرنسا وغيرها من البلدان بفعله، أي «استيراد سكان من دول العالم الثالث»؟
ليس لديّ ما أضيفه، حضرة القاضي...
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













