
ترك برس
يتناول الكاتب التركي تورغاي يرليكايا، في مقال بصحيفة «يني شفق» بعنوان «لم أعد صوتاً نشازاً بين اليهود»، التحولات في مواقف قطاعات من اليهود، ولا سيما في أوساط الشتات، تجاه إسرائيل وسياساتها بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مستنداً إلى مواقف المفكر وعالم السياسة اليهودي الأمريكي نورمان فينكلشتاين، الذي يرى أن الأصوات اليهودية المنتقدة لإسرائيل لم تعد معزولة كما كانت في السابق
ويعتبر الكاتب أن تزايد هذه الأصوات، إلى جانب تصاعد الانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية وتراجع التأييد لها في أوساط مختلفة، يمثل أحد أبرز التحولات التي أعقبت الحرب على غزة، ويسهم في تعميق عزلة إسرائيل دولياً.
ويستهل يرليكايا مقاله بالإشارة إلى أن العبارة التي اختارها عنواناً له تعود إلى فينكلشتاين، الذي اشتهر في تركيا بكتابه «صناعة الهولوكوست» (Holocaust Industry)، الصادر مطلع الألفية، والذي تناول فيه كيفية توظيف المحرقة النازية، بحسب أطروحته، خارج سياقها التاريخي وتحويلها إلى أداة سياسية وتجارية.
ويقول الكاتب إن فينكلشتاين قدم في هذا الكتاب تحليلاً لكيفية استخدام إسرائيل تهمة معاداة السامية أداةً للتصدي حتى للانتقادات المحدودة الموجهة إليها، وإسكات الأصوات المعارضة لسياساتها، مشيراً إلى أن أعمال المفكر اليهودي اللاحقة واصلت تناول هذه الإشكالية وتوسيعها.
وفي هذا السياق، يستحضر يرليكايا كتاب فينكلشتاين «ما وراء الوقاحة» (Beyond Chutzpah)، الذي تُرجم حديثاً إلى التركية، موضحاً أنه يواصل فيه تفكيك الآليات الخطابية المرتبطة بالمحرقة، وكيفية توظيف تهمة معاداة السامية، وفق طرحه، لتهميش الانتقادات الموجهة إلى سياسات الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان وإفراغها من مضمونها.
ويضيف أن الدراسات المبكرة لفينكلشتاين اكتسبت أهمية متجددة بعد 7 أكتوبر، إذ يرى أنها كشفت مدى سهولة وضع أي انتقاد لإسرائيل في دائرة اتهامات معاداة السامية، بما يؤدي إلى إضعافه أو تحييده.
اتساع دائرة الانتقادات داخل الأوساط اليهودية
وينتقل الكاتب إلى مقابلة أجرتها صحيفة «سيربستيت» مع فينكلشتاين، والتي وردت فيها عبارته «لم أعد صوتاً نشازاً بين اليهود»، معتبراً أن ما جاء فيها يحمل دلالات مهمة لفهم التحولات التي أعقبت 7 أكتوبر.
ويرى يرليكايا أن أبرز ما تكشفه المقابلة هو اتساع الوعي العام بالأفكار التي طرحها فينكلشتاين على مدى نحو 30 عاماً، بالتزامن مع تزايد أعداد اليهود الذين يتبنون مواقف نقدية مشابهة لمواقفه.
ويشير إلى أن ما يصفه بالمراجعة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر يواجه انتقادات متزايدة، خصوصاً من جانب اليهود في الشتات، لافتاً إلى أن الأوساط اليهودية خارج إسرائيل تشهد نقاشات متصاعدة بشأن استمرار دعم الدولة الإسرائيلية، في ظل تزايد عزلتها ومواجهة اليهود أنفسهم تحديات تتعلق بالصورة العامة المرتبطة بإسرائيل.
ويعتبر الكاتب أن التحولات في النظرة العالمية إلى اليهود خلال المرحلة الأخيرة ترتبط، إلى حد كبير، بالسياسات الإسرائيلية التي برزت بصورة أكثر وضوحاً عقب هجمات 7 أكتوبر والحرب على غزة.
فينكلشتاين: المشكلة تتجاوز نتنياهو إلى المجتمع الإسرائيلي
وفي تناوله لمواقف فينكلشتاين بشأن البنية الاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل، يتوقف يرليكايا عند رفضه الفصل بين حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي، ولا سيما في أعقاب 7 أكتوبر.
ويقول الكاتب إن تأكيد فينكلشتاين أن الفصل الذي جرى تداوله عقب الهجمات بين الائتلاف اليميني المتطرف بقيادة نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي لم يكن في محله، يحمل أهمية خاصة، إذ يرى المفكر أن شخصيات مثل نتنياهو تمثل امتداداً طبيعياً للبنية الاجتماعية الإسرائيلية، وليست مجرد استثناء داخلها.
ويضيف أن فينكلشتاين لا يحصر المشكلة في مواقف شخصيات سياسية مثل نتنياهو أو غادي آيزنكوت، وإنما يرى أن الإشكالية تكمن في وصول هذه التوجهات إلى السلطة وتمثيلها داخل مؤسسات الحكم.
وينقل يرليكايا عن المفكر اليهودي موقفه بأن المشكلة لا تتعلق بنتنياهو وحده، بل بالمجتمع اليهودي الإسرائيلي نفسه، معتبراً أن هذه المقاربة تبرز العلاقة بين التوجهات المجتمعية والتمثيل السياسي والسلطة داخل إسرائيل.
المجتمع الإسرائيلي وتبرير قتل الأطفال في غزة
ويصف الكاتب إحدى العبارات الواردة في مقابلة فينكلشتاين بأنها من أكثر مواقفه إثارة للجدل، إذ تحدث فيها عن تحول المجتمع الإسرائيلي إلى أمة من «قتلة الأطفال».
ويرى يرليكايا أن العبارة قد تبدو للوهلة الأولى تحليلاً صادماً يتسم بالتعميم، لكنه يعتبر أنها تعبر عن توصيف نقدي للبنية الاجتماعية الإسرائيلية، مستشهداً بفيلم وثائقي أعده الصحفي ماثيو كاسل ونشرته صحيفة «الغارديان» بعنوان «إبادتنا: كيف ينظر الإسرائيليون إلى الحرب في غزة؟».
ويشير إلى أن الفيلم، الذي يستند إلى مقابلات مباشرة مع إسرائيليين، يعرض مواقف أشخاص في شوارع تل أبيب تجاه ما يجري في غزة والضفة الغربية، وكيف ينظر بعضهم إلى الإبادة الجماعية باعتبارها أمراً مشروعاً، فضلاً عن تبريرهم سقوط الأطفال والرضع ضحايا للحرب.
ويعتبر الكاتب أن هذه الشهادات تكشف، بحسب قراءته، عدم صحة الفصل المطلق بين المجتمع والسياسة في إسرائيل، وتظهر وجود مواقف اجتماعية تتقاطع مع السياسات التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
نتنياهو امتداد لبنية اجتماعية وسياسية
وفي ختام مقاله، يربط يرليكايا بين المواقف الاجتماعية التي استعرضها وبين طبيعة النخبة السياسية التي تدير إسرائيل، قائلاً إن السياسيين الذين يقودون الدولة حالياً هم نتاج مجتمع يبرر جرائم الاحتلال والإبادة، ويفرض تصورات قائمة على التفوق على الآخرين.
ويشير إلى أن نتائج الانتخابات التي شهدتها إسرائيل مؤخراً، وفق قراءته، أظهرت أن الشخصيات المطروحة لخلافة نتنياهو لا تختلف عنه بصورة جوهرية، ولا تقدم بالضرورة توجهاً مغايراً لسياساته.
ويخلص الكاتب إلى أن نتنياهو وآيزنكوت يمثلان، في هذا السياق، انعكاساً لواقع اجتماعي داخل إسرائيل، وليس مجرد شخصيتين سياسيتين منفصلتين عن المجتمع الذي أفرزهما.
ويؤكد أن أبرز ما تحقق بعد 7 أكتوبر، وفق تقييمه، يتمثل في تزايد أعداد اليهود الذين يتبنون مواقف نقدية تجاه إسرائيل، بالتوازي مع تزايد عزلة الدولة الإسرائيلية على المستوى الدولي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











