
إحسان أكتاش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لم تكن المدن والقرى، على مر التاريخ، تُقام بصورة عشوائية. فقد كان لكل التجمعات السكنية المعروفة استراتيجية خاصة بها في التوزيع والاستقرار.
كانت هناك قضية لا يُثار الحديث عنها إلا في الغالب خلال فترات الزلازل. ففي العصور القديمة، خلال الحقبتين الرومانية والعثمانية، أُقيمت القرى والمدن قدر الإمكان عند سفوح الجبال، وبذلك جرى تفادي مخاطر الزلازل. وفي الوقت نفسه، لم تُشغل الأراضي الصالحة للزراعة.
بدأت الثورة الصناعية في أوروبا، وانطلقت موجات هجرة مكثفة من الأرياف إلى المدن. وشهدت المدن الغربية تركزاً سكانياً كبيراً مع مطلع القرن.
وبدأت قضايا التخطيط العمراني والإسكان في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تُدار وفق خطط محددة.
كانت باريس ولندن وبرلين والعديد من المدن الأمريكية أولاً وجهة لتدفق العمال والمهاجرين. ثم أصبحت عملية التحول الحضري في باريس، والتخطيط في لندن، وإعادة تخطيط المدن الصناعية في الولايات المتحدة، من القضايا المطروحة على جدول الأعمال.
وضعت ألمانيا، بصفتها دولة، خطة لتوزيع التجمعات السكانية في البلاد خلال الحرب العالمية الأولى، ثم راجعت هذه الخطة خلال الحرب العالمية الثانية. ولا تزال هذه الخطة سارية حتى اليوم.
يبلغ عدد سكان ألمانيا نحو عدد سكان بلادنا. وقد جرى التخطيط للمدن والبلدات والقرى والتجمعات الصناعية والتوزيع السكاني والخدمات اللوجستية بصورة متقنة إلى حد أن الإنتاج الصناعي مستمر في كل بلدة، فيما تتواصل الحياة والاستقرار السكاني بصورة حيوية في كل قرية.
ولا توجد في الدولة التي تمتلك أكبر قدرة إنتاجية صناعية في أوروبا مدينة يبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة.
وعندما ننظر إلى مدننا التاريخية، نرى أن الانضباط العمراني الذي بدأ في روما استمر خلال العهد العثماني.
ففي روما القديمة، كان يُعاقب على الجرائم المرتكبة بحق الأشخاص بوحدة عقابية واحدة، في حين كانت الجرائم المرتكبة بحق المدينة تُعاقب بوحدتين عقابيتين.
وقد استمر هذا النهج نفسه في الدولة العثمانية أيضاً.
ففي القصر العثماني، لم يكن رئيس المعماريين مجرد شخص يتولى تشييد مباني الدولة، بل كان أيضاً على رأس آلية تمنح الموافقة على التطبيقات المعمارية التي تُنفذ في المدن.
وعند النظر إلى تاريخ التخطيط العمراني لإسطنبول، نجد أنه عندما شُيّد نافورة السلطان أحمد، انتقد رئيس المعماريين والمحيطون به المبنى، معتبرين أنه مبالغ في زخرفته ولا يتوافق مع الطراز العثماني الكلاسيكي.
كما شيدت عائلة باليان قصراً في منطقة إجادية الحالية، وتقول الروايات إن جزءاً من المبنى هُدم بسبب الإخلال بالمشهد البصري لأفق المدينة عند النظر إليها من الساحل.
بدأ أول توسع عمراني غير مخطط له في إسطنبول خلال فترة احتلال دول الوفاق، التي كانت بريطانيا صاحبة النفوذ الأكبر فيها (1918-1923)، ثم أصبح غياب التخطيط هو السمة الأساسية في كل مرحلة لاحقة.
وفي السنوات الأولى للجمهورية، أُوكلت مهمة تخطيط إسطنبول إلى هنري بروست. وقد وضع هذا المخطط العبقري ضفاف القرن الذهبي ضمن خطته لتكون مركزاً صناعياً.
وكان تخطيط أنقرة أكثر نجاحاً مقارنة بإسطنبول. أما من تولى تخطيط المدينة الأصغر حجماً فكان هيرمان يانسن.
وعندما بدأ الإنتاج الصناعي يتركز في المدن لدينا، شهدت البلاد خلال كل مرحلة من مراحل التنمية موجات هجرة مكثفة من الريف إلى المدن، وانتقل الناس إلى المدن من دون أي تخطيط، وأقاموا مساكن عشوائية، متجمعين حول المناطق الصناعية.
وانطلاقاً من نموذج إسطنبول، لم يكن من الممكن الحديث عن أي تخطيط أو استراتيجية سكنية حتى عام 1994.
في أي مدينة، يأتي التخطيط أولاً، ثم التصميم الحضري، وبعد ذلك العمارة والتجمعات السكنية.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1994 و2000، ظهرت مدينة يمكن إدارتها والسيطرة عليها والتعامل مع مشكلاتها، وكان ذلك إنجازاً.
ثم ازدادت الكثافة السكانية في إسطنبول إلى حد كبير، حتى إنها لا تزال صامدة اليوم بفضل أعمال البنية التحتية التي نُفذت خلال فترة السيد قادر (2004-2017).
أصبحت المدن الكبرى اليوم باهظة التكلفة للغاية للعيش فيها. ولم تعد الحياة في المدن توفر أي جانب من جوانب الراحة.
ويملك الشباب والمتقاعدون المقيمون في المدن اليوم فرصة للعيش براحة أكبر بكثير في مناطق الأناضول، بدخل يماثل تقريباً ما يحصلون عليه حالياً.
وعندما زرنا الأسبوع الماضي رئيس جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (ASKON)، تحدث عن عدم قدرته على العثور على عمال لتشغيل مصنعه في الأناضول.
وكنت قد ناقشت هذه القضية من قبل مع وزارة التحضر.
وتساءلت: هل يمكن تحقيق هجرة عكسية إذا توفرت فرص العمل والإقامة في الولايات الأناضولية التي ينحدر منها عدد كبير من سكان إسطنبول؟
فالحياة أقل تكلفة وأكثر راحة، كما أن مدننا لم تعد، كما كانت في الفترات السابقة، مدناً تعاني الحرمان من الخدمات والإمكانات.
ومن الضروري فتح باب النقاش حول هذه القضية من أجل مستقبل بلادنا.
فلنرَ ما الذي يقدّره المولى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













