
ترك برس
يرى رئيس دائرة الاستخبارات السابق في القوات الجوية التركية، غورسل توكماك أوغلو، أن ما يصفه بـ«الحساب الناقص» في الاستراتيجيات لا يقتصر على خلل في تقدير المعطيات أو نقص المعلومات، بل قد يكون نتيجة مباشرة لتغليب المصالح والحسابات السياسية الآنية على الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، محذرا من أن اختلاف زوايا النظر بين الأطراف السياسية والعسكرية والمؤسساتية قد يؤدي إلى نتائج تمس المنظومة بأكملها.
وفي مقال نشره موقع «إندبندنت تركية» بعنوان «الحساب الناقص والاختلافات الزاوية»، يوضح توكماك أوغلو أن مفهوم الحساب في الاستراتيجية يتجاوز عملية القياس التقنية، إذ يتشكل عند تقاطع المعلومات والنوايا والأفق الزمني وموقع الجهة التي تتخذ القرار. ويشير إلى أن تحديد ما يعد «ناقصا» يختلف باختلاف الطرف الذي ينظر إلى المسألة، والموضوع الذي يجري تقييمه، والوقت المستهدف، والغاية المنشودة، إلا أن آثار هذا النقص قد تتجاوز وجهة نظر الطرف المعني لتطال المشهد الاستراتيجي بأكمله.
ويضيف الكاتب أن هذه الإشكالية تبرز بصورة أكبر في الصراعات الهجينة وتلك التي لا تقتصر على جبهات المواجهة التقليدية، معتبرا أن مفهوم النصر الكلاسيكي لم يعد كافيا لفهم الحروب المعاصرة، وأن إجراء «حساب كامل» بات ضروريا على مختلف المستويات. لكنه يرى أن منظور الفاعلين السياسيين يمثل أحد أكثر العوامل قدرة على تشويه هذا الحساب.
وفي الإطار النظري، يشرح توكماك أوغلو أن الاختلافات في زوايا النظر تظهر عبر أربعة أبعاد رئيسية؛ أولها الجهة التي يجري الحساب من منظورها، إذ قد ينظر القائد وأجهزة الاستخبارات والمجتمع والخصم والأطراف الثالثة إلى الظاهرة نفسها باعتبارها أوجه نقص مختلفة. أما البعد الثاني فيتعلق بالمجال الذي يجري التقييم على أساسه، سواء كان عسكريا أو اقتصاديا أو معرفيا أو مؤسساتيا أو فلسفيا.
ويتمثل البعد الثالث، بحسب الكاتب، في الإطار الزمني، حيث قد تتعارض الحسابات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية والتاريخية والثقافية. أما البعد الرابع فيرتبط بالغاية، إذ تختلف الحسابات باختلاف ما إذا كان الهدف تحقيق نصر تقليدي، أو إحداث تغيير في الوضع الاستراتيجي، أو تعزيز القدرة على الصمود، أو الحفاظ على الشرعية السياسية الداخلية.
ويؤكد أن هذه الأبعاد ليست مستقلة بعضها عن بعض، فالحساب الذي يبدو مكتملا في مجال معين لا يعالج بالضرورة أوجه النقص في المجالات الأخرى، بل قد يؤدي إلى توسيعها. وفي هذا السياق، يستحضر أطروحته القائلة إن «النصر الكلاسيكي لم يعد موجودا، بل هناك تغيير في الوضع الاستراتيجي»، معتبرا أن النظام العالمي، حتى عام 2026، ابتعد عن منطق الانتصار التقليدي، فيما باتت الأطراف الفاعلة تواجه مشكلاتها البنيوية الخاصة.
الحساب السياسي وتضارب المصالح
وعند تناول منظور الفاعلين السياسيين، يقول توكماك أوغلو إن الحساب «الكامل» بالنسبة إلى السياسي ليس بالضرورة الحساب الأكثر دقة من الناحية التقنية، بل ذلك الذي يمكن إدارته سياسيا، ويبدو مشروعا، ولا يخل بتوازنات السلطة. ويستشهد في هذا الصدد بطرح الباحث والمؤرخ الأمريكي بول كينيدي حول مركزية السياسة في الاستراتيجية، مشددا على أن تحقيق المكاسب الاستراتيجية يتطلب إيقاظ الوعي السياسي ووضع الأهداف بعيدة المدى في صلب عملية صنع القرار.
ويشير الكاتب إلى أن التجاذبات السياسية التي شهدتها تركيا منذ عام 1938 تقدم، وفق قراءته، مثالا على الكيفية التي يمكن من خلالها للحسابات السياسية قصيرة الأمد أن تعرقل تراكم القوة. ويضيف أن تعطل قنوات العمل السياسي يؤدي إلى إصلاح جانب من المنظومة على حساب إحداث خلل في جانب آخر.
وفي تفسيره لهذه الظاهرة، يستند توكماك أوغلو إلى نموذج «السياسة البيروقراطية» الذي طرحه الباحث الأمريكي غراهام أليسون في كتابه «جوهر القرار» الصادر عام 1971. ووفقا لهذا النموذج، لا تنتج القرارات الحكومية بالضرورة عن حسابات فاعل عقلاني واحد، بل تتشكل من خلال المساومات والتحالفات والتنافس بين أطراف متعددة داخل مؤسسات الحكم.
ويلخص الكاتب هذا التصور بعبارة «المكان الذي تجلس فيه يحدد الموقع الذي تقف فيه»، موضحا أن القادة والأحزاب والمؤسسات البيروقراطية يميلون إلى تقديم الأولويات المرتبطة بمواقعهم، مثل استمرار السلطة والحفاظ على القاعدة الشعبية والشرعية والمصالح المؤسسية، على حساب الوصول إلى الخيار الاستراتيجي الأمثل. وبذلك، يصبح القرار النهائي، بحسب وصفه، محصلة للتجاذبات الداخلية وليس نتيجة «حساب كامل».
كما يستحضر توكماك أوغلو مفهوم «الاحتكاك» لدى المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، الذي يشير إلى أن أبسط الأمور في الحرب تصبح صعبة بفعل الغموض والصدفة ونقص المعلومات. ويرى أن الفاعل السياسي لا يواجه هذا الاحتكاك في التعامل مع الخصم فحسب، بل يعيد إنتاجه داخل حساباته الداخلية أيضا، إذ تؤدي الكلفة السياسية قصيرة الأمد إلى توسيع الفجوة بين الخطة الاستراتيجية كما تبدو على الورق والواقع الفعلي.
آليات إنتاج الحسابات الناقصة
ويحدد الكاتب أربع آليات رئيسية تؤدي، من وجهة نظره، إلى إنتاج حسابات استراتيجية ناقصة لدى الفاعلين السياسيين.
وتتمثل الآلية الأولى في تشويه الأفق الزمني، من خلال إعطاء الأولوية للدورات الانتخابية وكلفة القرارات على الرأي العام، بما يؤدي إلى تأجيل الخطوات الضرورية لإحداث تغيير استراتيجي بعيد المدى عندما تكون كلفتها الآنية مرتفعة.
أما الآلية الثانية فتتمثل في تقديم الشرعية السياسية والسردية على المعطيات الفعلية، إذ يقول إن البيانات التي تتوافق مع الرواية السياسية السائدة قد تحظى بالأولوية على حساب المعلومات الحقيقية، فيما يسهم الامتثال السائد والخطاب الحماسي في إضعاف التحليل المتعمق.
وتتعلق الآلية الثالثة بإدارة التوازنات الداخلية، حيث قد يجري تأجيل خطوات يراها الكاتب ضرورية من الناحية الاستراتيجية عندما تهدد هذه الخطوات توازنات الائتلافات الحاكمة أو الأحزاب. في حين تتمثل الآلية الرابعة في قابلية الحسابات الداخلية للخصم على القراءة، إذ يمكن للأطراف المنافسة رصد اعتبارات الانتخابات والكلفة السياسية والشرعية، وبناء استراتيجياتها على أساسها، وهو ما يتيح، وفق الكاتب، الاستفادة من الفوضى المدارة أو إطالة أمد الأزمات.
وفي سياق أوسع، يربط توكماك أوغلو هذه الآليات بالمشكلات التي تواجه عددا من القوى الدولية، مشيرا إلى ما يصفه باستمرارية الحكم السلطوي في روسيا، والتمسك الحذر بالحفاظ على الموقع في الصين، والاعتماد الأوروبي على رأس المال، وإدارة الولايات المتحدة لما يسميه «الفوضى المدارة». ويرى أن الامتثاليين والانتهازيين الذين يركزون على المكاسب قصيرة الأمد يسهمون في تعميق هذه المشكلات.
النضج السياسي وجودة المؤسسات
وفي معرض بحثه عن سبل تجاوز هذه الإشكالية، يوضح الكاتب أن الوصول إلى «حساب كامل» لا يعني اختزال جميع زوايا النظر في رؤية واحدة، بل يتطلب تحديد الزاوية التي يمكن أن تؤثر في النتائج على مستوى المنظومة، والظروف التي يحدث فيها ذلك، والعمل على إدارة هذه التأثيرات بصورة مستمرة.
ويقترح في هذا الإطار ما يسميه «اليقظة السياسية» إلى جانب تعزيز جودة المؤسسات، موضحا أن إيقاظ السياسة يعني وضع العقلانية والواقعية الاستراتيجية وتراكم القوة على المدى الطويل في مركز الحسابات السياسية. ويضيف أن هذا التوجه لا يلغي المساومات التي يتناولها نموذج أليسون للسياسة البيروقراطية، لكنه يغير المعايير التي تحكمها لمصلحة إحداث تغيير في الوضع الاستراتيجي واستمرارية مقومات البقاء.
ويشدد توكماك أوغلو على أن تحقيق ذلك يتطلب وجود مطالب مجتمعية مناهضة للامتثال، وقدرة مؤسساتية مستقلة على التحليل، إلى جانب تبني رؤية متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الاستراتيجية والاقتصادية والمعرفية والفلسفية. ويحذر من أنه في غياب هذه العناصر، سيواصل منظور الفاعل السياسي إعادة تعريف زوايا النظر الأخرى بما يتوافق مع أولوياته ومصالحه.
ويخلص الكاتب إلى أن «الحساب الناقص» ليس مجرد نقص تقني، بل هو شكل من أشكال تشويه الصورة الاستراتيجية الكاملة بفعل الموقع السياسي ومصالحه. ويرى أن الاختلافات في زوايا النظر قد تكون نسبية، لكن تأثير منظور الفاعلين السياسيين يمكن أن يصبح نظاميا وحيويا، ولا سيما في بيئة الحروب الهجينة والصراعات الحديثة.
ويؤكد أن إجراء حساب استراتيجي متكامل في الظروف الراهنة لا يتعلق بالمعلومات وحدها، بل يمثل أيضا خيارا أخلاقيا وسياسيا، مشيرا إلى أن أطروحتيه بشأن «استراتيجية الفوضى» و«التغيير في الوضع الاستراتيجي» تتناولان الأساليب التي تستخدمها القوى الكبرى في المرحلة الراهنة. ويحذر من أن عدم اتخاذ هذا الخيار يحول الاختلافات في زوايا النظر بمرور الوقت إلى خلل يصيب المنظومة بأكملها، فيما يتيح التعامل معها بصورة واعية إيجاد الاتجاه حتى في ظل استمرار الغموض.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











