
ترك برس
أعادت الانتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026 تسليط الضوء على التوترات الداخلية التي تواجه النظام الليبرالي الدولي الذي سعت الولايات المتحدة إلى بنائه وقيادته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتزايد تأثير المصالح الاقتصادية والأمنية في صناعة القرار.
وبينما تعكس نتائج صناديق الاقتراع مواقف الناخبين من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والسياسات الخارجية، تبرز تساؤلات بشأن مدى قدرة المؤسسات الديمقراطية على ضبط السلطة، وحدود تأثير الإرادة الشعبية في نظام تحكمه أيضاً مراكز نفوذ ومصالح عميقة.
وفي هذا السياق، تناول رئيس دائرة الاستخبارات السابق في القوات الجوية التركية، المحلل الاستراتيجي غورسل توكماك أوغلو، في مقال نشره موقع «إندبندنت تركية»، الانتخابات النصفية الأمريكية بوصفها تجسيداً للتوترات التي تعتري النظام الليبرالي الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، مستعرضاً الفجوة بين المبادئ الليبرالية الديمقراطية وآليات عمل النظام السياسي الأمريكي، في ظل تأثير الشعبوية والمصالح الاقتصادية ومراكز النفوذ المؤسسية.
ورأى الكاتب أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس، وتحول الرئيس دونالد ترامب إلى ما يُعرف سياسياً بـ«البطة العرجاء»، لا يمثلان مجرد خسارة حزبية، بل يعكسان ممارسة النظام الأمريكي لآلية إعادة ضبط توازنه الداخلي، في مواجهة الاختلالات التي أفرزتها سياسات المرحلة السابقة.
النظام الليبرالي والفجوة بين المبادئ والواقع
واستهل توكماك أوغلو تحليله بالعودة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، موضحاً أن النظام الدولي الذي سعت الولايات المتحدة إلى إقامته آنذاك استند إلى مبادئ الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر وسيادة القانون.
وأشار إلى أن نظام بريتون وودز، وتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتوجه نحو التعددية الدولية الليبرالية، جرى تقديمها باعتبارها أدوات لتعميم القيم الغربية، غير أن هذا النظام ظل في الوقت نفسه معتمداً على آليات التوازن الداخلية في الولايات المتحدة.
واعتبر أن النظام، رغم ظهوره قائماً على مبادئ تأسيسية، عمل فعلياً بوصفه آلية توازن شكلتها المصالح الصناعية والمالية والأمنية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة انتخابات 2026 باعتبارها لحظة عادت فيها التوترات الداخلية لهذا النظام إلى الواجهة.
وفي تناوله للعلاقة بين الليبرالية والديمقراطية في الولايات المتحدة، أوضح الكاتب أن الليبرالية في السياق السياسي الأمريكي ليست توجهاً يمينياً أو يسارياً، بل ترتبط بالديمقراطية، وتقوم في مفهومها الكلاسيكي على الحريات الفردية واقتصاد السوق الحر وسيادة القانون، وهي مبادئ تدافع عنها الأوساط الفكرية والمؤسسية على المستوى النظري.
لكنه لفت إلى أن الناخب الأمريكي العادي يتخذ قراره الانتخابي انطلاقاً من «الواقع الفعلي» أكثر من انطلاقه من المبادئ الأيديولوجية، مستنداً إلى أدبيات علم السياسة التي تمتد من في. أو. كي إلى موريس فيورينا، والتي تنظر إلى الانتخابات باعتبارها استفتاءً على أداء الحزب الحاكم، حيث يهتم الناخب بالنتائج أكثر من اهتمامه بالأدوات والسياسات المستخدمة لتحقيقها.
وأشار إلى أن تصدر الاقتصاد وتكاليف المعيشة قائمة أولويات الناخبين في استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع عام 2026 يمثل تأكيداً معاصراً لهذا الاتجاه، موضحاً أن المصالح الشخصية والمناطقية كما يدركها الناخب كانت العامل الحاسم، وليس الاتساق الأيديولوجي.
الديمقراطية المنقوصة وآليات التوازن المؤسسي
وفي تفسيره لمفهوم «الديمقراطية المنقوصة»، أوضح توكماك أوغلو أن هذا المفهوم يقوم على وجود فجوة بين الدفاع النظري عن المبادئ الليبرالية الديمقراطية في الأوساط الفكرية، وبين طريقة عمل النظام على أرض الواقع.
وأضاف أن الشعبوية تجعل هذه الفجوة أكثر وضوحاً، من خلال تعميق التوتر بين الناخبين والنخب السياسية، مشيراً إلى أن الشعبوية تميل إلى إضعاف آليات التوازن المؤسسي، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى أداة تستخدمها المنظومة لإعادة ضبط توازنها وفقاً لاحتياجاتها.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن مفهوم «الترامبية» لم يتجاوز حدود الدلالة الشعبوية الفارغة، وأن وضع ترامب الشخصي المثير للجدل يمكن استخدامه نموذجاً لتوضيح طبيعة التوتر الذي أحدثه خطابه وأسلوب إدارته في الآليات الأساسية للنظام الغربي.
ولفت إلى أن الاستقطاب الظاهر بين اليمين واليسار يؤدي وظيفة تتجاوز الخلاف السياسي المباشر، إذ يشكل ستاراً يسهّل على مراكز النفوذ العميقة تشغيل آليات التوازن، ومن بين هذه المراكز جماعات الضغط الصناعية والتعدينية والنفطية، والمؤسسات الوقفية ومراكز الأبحاث والنخب العابرة للحدود الوطنية.
ورأى الكاتب أن نتائج الانتخابات النصفية لعام 2026 شكلت اختباراً جديداً لفرضية أن النظام السياسي الأمريكي لا يتشكل فقط عبر العمليات الديمقراطية الظاهرة، بل يتأثر أيضاً بهذه البنى العميقة.
وأوضح أن الانتخابات النصفية تمثل إحدى أكثر الأدوات طبيعية لقيام النظام بإجراء تعديلات على توازنه الداخلي، معتبراً أن فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية عام 2024 كان خياراً للنظام في مرحلة احتاج فيها النظام الدولي إلى أجواء من الفوضى.
وأشار إلى أن أبرز انعكاسات تلك الفوضى تمثلت في الحرب على إيران التي اندلعت في فبراير/شباط 2026، موضحاً أن الحرب وفرت مكاسب قصيرة الأجل للوبيات الطاقة والدفاع، لكنها أدت في المقابل إلى تراكم تداعيات اقتصادية واستراتيجية، شملت تقلبات أسعار النفط وأزمة مضيق هرمز والتوترات داخل حلف الناتو، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية الداخلية.
كما لفت إلى أن وصف ترامب حلف شمال الأطلسي بأنه «نمر من ورق»، وإثارته احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه، دفعا العلاقات عبر الأطلسي إلى أدنى مستوياتها التاريخية.
وأضاف أن الخلافات مع أوروبا لم تقتصر على الحرب مع إيران، بل شملت أيضاً أزمة غرينلاند والتهديدات المتعلقة بالرسوم الجمركية وتعطل الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وهي تطورات جعلت الاتساق الداخلي للنظام القائم على القيم الغربية موضع تساؤل.
واعتبر أن المسافة بين ادعاء النظام الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة، وبين طريقة عمله الفعلية، أصبحت أكثر وضوحاً خلال هذه المرحلة.
إعادة ضبط التوازن وتغير الوضع الاستراتيجي
وفي قراءته لنتائج الانتخابات النصفية، رأى توكماك أوغلو أنها تمثل انعكاساً للتكلفة السياسية الداخلية للأجواء المضطربة التي شهدتها الولايات المتحدة، موضحاً أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس حولت ترامب إلى «بطة عرجاء».
وأشار إلى أن توصيفات المحلل الانتخابي نيت سيلفر، الذي وصف ترامب بأنه «بطة عرجاء فائقة العجز»، ومجلة «ذا أتلانتيك» التي اعتبرت أنه أصبح رسمياً وبشكل كامل «بطة عرجاء»، عكست حجم التراجع السياسي الذي أصاب الرئيس الأمريكي.
وأضاف أن الزخم الانتخابي لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» (MAGA) تراجع، وأن قاعدتها الشعبية الأساسية لا تزال قائمة، لكن التحالف الذي أوصلها إلى السلطة بدأ يتفكك.
واعتبر أن سلوك الناخبين في هذه الانتخابات عكس مرة أخرى توجهاً تاريخياً في تطور الديمقراطية الأمريكية، يتمثل في تقدم المصالح الفردية والمحلية على الأيديولوجيات الجماعية، حيث تحرك الناخبون وفقاً لما يرونه مصالح شخصية ومناطقية، بدلاً من الالتزام بالاتساق الأيديولوجي.
وفي سياق تفسيره لهذه النتائج، أشار الكاتب إلى أنه إذا كان العقل السياسي الذي وضعه مؤسسو الولايات المتحدة، المعروفون بـ«الآباء المؤسسين»، لا يزال حاضراً، فمن المتوقع ظهور مؤشرات على العودة إلى «إعدادات التأسيس» من داخل المعسكرين الجمهوري والديمقراطي.
وأوضح أن الدعوة إلى العودة للمبادئ التأسيسية لا تمثل مجرد خطاب أيديولوجي، بل تعكس عمل آلية التوازن داخل النظام، إذ حاولت الشعبوية تقويض أسس الديمقراطية، لكن المؤسسات وتفضيلات الناخبين عملت معاً على وضع حدود لها.
ومع ذلك، شدد على أن عملية إعادة ضبط التوازن لا تعني أن الأمور ستتحسن بالضرورة، محذراً من أن الأضرار التي لحقت بالنظام الأمريكي والغربي أعمق مما يبدو على السطح.
وأضاف أن ما يجري لا يمثل انتصاراً تقليدياً لطرف على آخر، بقدر ما يعكس تغيراً في الوضع الاستراتيجي، حيث أدت الكلفة الاقتصادية لقرارات السياسة الخارجية إلى تغيير موازين القوى السياسية الداخلية.
وأشار إلى أن العامين المقبلين سيشهدان اختباراً حاسماً لتوازن السلطة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فيما سيكون لكيفية انعكاس المشهد الحالي على الانتخابات الرئاسية المقررة بعد عامين، وما سيُطرح خلالها بشأن مستقبل الديمقراطية الليبرالية، دور حاسم في تحديد المسار اللاحق.
الانعكاسات العالمية واختبار نظام ما بعد الحرب
وعلى المستوى الدولي، رأى توكماك أوغلو أن النظام الليبرالي العالمي الذي سعت الولايات المتحدة إلى إقامته بعد الحرب العالمية الثانية بات يتحمل اليوم الكلفة العالمية لدورات إعادة ضبط توازنه الداخلي.
وأوضح أن التغيرات ستستمر في ظل التنافس على ممرات الطاقة، وإعادة تعريف دور حلف الناتو، ومحاولات تحقيق التوازن في العلاقات مع الصين وروسيا، إلى جانب تصاعد التهديدات الهجينة.
وأشار إلى أن الناخبين يعطون الأولوية لتخفيف المشكلات الملموسة بدلاً من النقاشات المبدئية، في حين تعمل المنظومة على حماية مصالح البنى العميقة التي تقف وراء العمليات السياسية الظاهرة.
واعتبر أن استمرار الفجوة بين هذين المستويين سيجعل الانتخابات النصفية والدورات الرئاسية أدوات متواصلة لإعادة ضبط التوازن داخل النظام، بينما ستواصل العلاقات الدولية تحمل تبعات هذه العملية.
وأضاف أن الإطار المبدئي للديمقراطية الليبرالية لا يزال يحظى بالدفاع عنه في الأوساط الفكرية، لكن الواقع الفعلي وآليات التوازن التي تديرها مراكز النفوذ العميقة يظلان العاملين الأكثر تأثيراً في توجيه المسار العالمي.
ولفت إلى أن الاتساق الداخلي للنظام القائم على القيم الغربية يظل عرضة للاختبار المستمر بفعل هذا التوتر، معتبراً أن انتخابات 2026 تمثل إحدى محطات هذا الاختبار، لكنها لا تقدم حلاً نهائياً، بل تكشف عن قدرة النظام على إعادة ضبط توازنه.
الخلاصة
وخلص الكاتب إلى أن الانتخابات النصفية الأمريكية لعام 2026 يمكن قراءتها باعتبارها تجسيداً عملياً لمفهوم «الديمقراطية المنقوصة»، في ظل الفجوة بين المبادئ التي يدعي النظام الليبرالي الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، الالتزام بها، وبين آليات عمله الفعلية.
وأكد أن هذه الفجوة تتشكل بفعل تصرفات الناخبين انطلاقاً من الواقع المعيشي، والتأثير التآكلي للشعبوية في المؤسسات، وآليات التوازن التي تديرها مراكز النفوذ العميقة. وبينما جعلت مرحلة ترامب هذه التوترات أكثر وضوحاً، أتاحت الانتخابات النصفية للنظام تشغيل آلية إعادة ضبط توازنه الداخلي.
وأشار إلى أن التداعيات العالمية لهذه العملية لا تعكس انتصاراً تقليدياً بقدر ما تشير إلى استمرار مرحلة من التغير في الوضع الاستراتيجي، مؤكداً أن كيفية انعكاس المشهد الراهن على الانتخابات الرئاسية بعد عامين، والقضايا التي ستُطرح بشأن تطور الديمقراطية الليبرالية، ستكونان عاملين حاسمين في تحديد مستقبل النظام السياسي الأمريكي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











