ترك برس

يرى الكاتب التركي غولدَنر سونوموت أن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، التي أفضت إلى انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي، أعادت توزيع بعض أوراق القوة في واشنطن، لكنها لا تنذر بتغيير جذري في توجهات الولايات المتحدة تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). ويشير إلى أن العواصم الأوروبية تتابع التحولات السياسية الأمريكية عن كثب، في ظل استمرار الضغوط على أوروبا لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها والدفاع عن نفسها، بالتوازي مع تحول الأولويات الاستراتيجية الأمريكية نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي مقال نشرته صحيفة «ملييت» التركية تحت عنوان «الانتخابات النصفية الأمريكية بعيون أوروبية»، يوضح سونوموت أن انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين أدى إلى إعادة ترتيب جزئية للمشهد السياسي في واشنطن، وهو ما دفع الحلفاء الأوروبيين والعواصم الأعضاء في حلف الناتو إلى مراقبة نتائج الانتخابات باهتمام كبير منذ اللحظة الأولى.

لكن الكاتب يستبعد حدوث تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه أوروبا والحلف، موضحاً أن السبب الأساسي يعود إلى طبيعة النظام السياسي الأمريكي، حيث تظل السياسة الخارجية والاستراتيجيات الأمنية، في معظم الأحيان، تحت سيطرة البيت الأبيض. ورغم امتلاك الكونغرس نفوذاً في ملفات الميزانية وآليات الرقابة، فإن عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية تقع إلى حد كبير ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية.

ويشير سونوموت إلى أن التباين السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس لا يعني بالضرورة وجود تضاد كامل في التوجهات الاستراتيجية، لافتاً إلى وجود توافق ملحوظ بين الجمهوريين والديمقراطيين في واشنطن بشأن ضرورة تحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها التقليدي، مقابل تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة تدريجياً.

ووفق الكاتب، قد يدافع الديمقراطيون عن جدول زمني أكثر حذراً وتدرجاً لسحب القوات الأمريكية، مقارنة بالخطط السريعة والأكثر تشدداً التي يتبناها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، لكن الحزبين يتفقان في جوهر الأمر على ضرورة نقل محور الأولويات الاستراتيجية الأمريكية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تحتدم المنافسة مع الصين.

وفيما يتعلق بالتقارب بين الحزبين، يلفت سونوموت إلى وجود مساحات محدودة من التوافق بينهما في بعض الملفات، موضحاً أن الديمقراطيين قد يتبنون خطاباً أكثر انسجاماً مع المواقف الأوروبية، في حين اقترب الجمهوريون من مواقف الديمقراطيين بشأن الشرق الأوسط، ولا سيما السياسة تجاه إسرائيل.

ويشير الكاتب إلى أن أصواتاً داخل الحزب الديمقراطي باتت تعتبر إسرائيل عبئاً جيوسياسياً ومالياً كبيراً على الولايات المتحدة، كما يرى أن إعلان ترامب عزمه وقف المساعدات العسكرية السنوية المقدمة لإسرائيل يعكس أن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب لم تعد تستند إلى الأرضية الراسخة التي كانت تحكمها في السابق.

ويخلص سونوموت إلى أن الخلافات التكتيكية في ملفات مثل الحروب التجارية والرسوم الجمركية والدبلوماسية المناخية لا تعني حدوث قطيعة جوهرية في العلاقات الأمنية والسياسة الخارجية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ويؤكد أن أوروبا، بصرف النظر عن طبيعة التمثيل السياسي في واشنطن، تواجه ضرورة تعزيز قدراتها الدفاعية والتكيف بصورة مستقلة مع التوازنات العالمية الجديدة.

ماكرون: «أنتم جميعاً تتعاملون معي بقسوة شديدة»

وفي الجزء الثاني من مقاله، ينتقل سونوموت إلى تناول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مستعرضاً مضمون محادثات خاصة أجراها مع الصحفية الفرنسية فرانسواز دجوا عبر تطبيق «تلغرام»، والتي تحولت لاحقاً إلى مادة لكتاب من 288 صفحة.

ويبدأ الكاتب بالإشارة إلى أن العنوان الذي اختاره لهذا الجزء ليس خاطئاً، موضحاً أن عبارة «أنتم جميعاً تتعاملون معي بقسوة شديدة» تعود إلى ماكرون نفسه. ويقول إن القصة بدأت في يوليو/تموز 2024، برسالة شكر عبر تطبيق تلغرام، بعدما نشرت الصحفية الفرنسية فرانسواز دجوا تدوينات أثارت جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، دافعت فيها عن بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي، في مواجهة ادعاءات انتشرت في الولايات المتحدة تزعم أنها رجل.

ويوضح سونوموت أن دجوا تتبنى توجهاً سياسياً يقع إلى يسار الاشتراكيين الديمقراطيين في فرنسا، ولا تشترك مع ماكرون في أي توجهات سياسية، غير أن الرئيس الفرنسي أرسل إليها رسالة عبر تلغرام عبّر فيها عن امتنانه لدفاعها عن زوجته، وهو ما فتح الباب أمام بدء محادثات بينهما عبر التطبيق.

ويصف الكاتب مضمون تلك المحادثات بأنه «فارغ إلى حد كبير»، مشيراً إلى أنه قرأ الكتاب الذي يتضمن 288 صفحة خلال يومين، لكنه لم يجد فيه معلومات كثيرة ذات قيمة استراتيجية. ويقول إن ما يتركه الكتاب هو انطباع عن رئيس يزداد عزلة ويبتعد عن الواقع، ويعاني ما وصفه بـ«عقدة الغطرسة».

ويضيف أن صورة ماكرون التي تظهر من خلال تلك المحادثات هي صورة سياسي يجمع بين شيء من الإعجاب بالنفس والعناد، ولا يرى أمراً مقدساً سوى زوجته. كما يتحدث عن انتقاده رؤساء الوزراء السابقين، وإعرابه عن افتقاده المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ماريو دراغي، فضلاً عن قوله إنه يشعر بالملل في قمم الاتحاد الأوروبي مثلما يشعر به الآخرون.

ويتساءل الكاتب عما قد يكون عليه موقف رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أو المستشار الألماني فريدريش ميرتس من مثل هذه التصريحات.

لكن سونوموت يرى أن الأمر الأكثر إثارة للانتباه هو أن الرئيس الفرنسي، في وقت كان فيه العالم يتحول إلى كرة من اللهب بفعل الأزمات والصراعات، وجد متسعاً من الوقت لإجراء محادثات مطولة على مدى عامين عبر تلغرام مع صحفية لا تتفق معه سياسياً، وكأن ليس لديه ما يشغله.

ويشير إلى أن محادثات تلغرام نُشرت من دون الحصول على إذن ماكرون، في حين تقول دجوا إن الرئيس الفرنسي كان ينبغي أن يتوقع إمكانية نشر كلماته، حتى في أثناء تبادله الرسائل معها.

ويختتم الكاتب بالقول إن مدى امتلاك ماكرون المؤهلات اللازمة لتولي رئاسة دولة كبيرة ومهمة مثل فرنسا يظل مسألة قابلة للنقاش، لكنه يعتبر أن الأمر المثير للدهشة هو أن يكون الرئيس منشغلاً إلى هذا الحد بمراسلة الصحفيين مطولاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!