محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

تمهيد

أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته إلى أندونيسيا، عن أمله في أن تصبح بلاده عضوا في منظمة اتحاد دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، والتي تتمتع أندونيسيا بعضويتها. وذلك في مؤتمر صحفي مشترك عقده مع نظيره الأندونيسي "جوكو ويدودو". في العاصمة جاكرتا، العاصمة الأندونيسية . وأضاف أردوغان في كلمته، أن تركيا جاهزة لتكون واحدة من أعضاء "آسيان". وعدم الاكتفاء بشراكة الحوار معها.

مقدمة

شهدت معظم دول العالم نشاطا واسع النطاق على صعيد تكوين تكتلات اقتصادية، إقليمية كانت أو دولية، تبلورت هذه الظاهرة نتيجة لعدة عوامل كالروابط التاريخية والثقافية والجغرافية القائمة بين الدول المنظمة لهذه التكتلات. ومن بين هذه التكتلات الاتحاد الأوروبي الذي أصبح من أهم التكتلات الرائدة في العالم.

فرابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" هي منظمة سياسية واقتصادية تتشكل من عشر دول في جنوب شرق آسيا، تم تشكيلها في 8 آب/ أغسطس 1967 من قبل أندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند ثم انضمت بروناي عام 1984 وفيتنام عام 1995 ولاوس وبورما عام 1997 وكمبوديا عام1999.

بداية نشوء جنوب شرق آسيا (آسيان)

تعبير "جنوب شرق آسيا" هو في الأصل تعبير أنجلو سكسوني عسكري قديم، ومنظمة آسيان كانت عبارة عن حلف عسكري عهدت قيادته إلى الأميرال "مونتباتارن" لإعادة الاستقرار في جزيرة الهند الصينية ومناطق أخرى محتلة من قبل بريطانيا العظمى وبمباركة وتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا لأسباب أمنية عسكرية بسبب نشوء الحرب الكورية والتعاون الصيني السوفييتي من أجل إرساء الأفكار الشيوعية.

تأسّس الاتحاد في شهر أيلول/ سبتمبر 1954 وانضمت إليه كل من أستراليا ونيوزيلندا وباكستان، واعتمد الحلف سياسة الاحتواء الأمريكية وأطلق عليه اسم معاهدة الدفاع المشترك، ووقّعت عليه كل من أستراليا وفرنسا ونيوزيلندا وباكستان والفلبين وتايلاند وبريطانيا، لكن بعد استقلال معظم دول آسيا من الاستعمار الفرنسي والبريطاني واجهتها التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مما دفعها إلى ضرورة إنشاء جمعية الآسيان لتمنحها مكانة دولية مميزة خاصة وإنها مؤيدة من الدول الغربية ومحمية منها.

وبانتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1980 سمحت لدول الآسيان على ممارسة الاستقلال السياسي الأكبر في المنطقة، وظهرت آسيان في عام 1990م كقوة رائدة بشأن قضايا التجارة والأمن الإقليمي، على سبيل المثال، اعتمدت الرابطة إعلانًا لحل النزاعات في بحر الصين الجنوبي، وروجت حوار حول الأمن الإقليمي من خلال إنشاء المنتدى الإقليمي للآسيان، وسمحت للعضوية الموسعة لكوريا الشمالية، وعملت على حل الصراع في تيمور الشرقية.

ترجع أهدافها الرئيسيه على النمو الاقتصادي السريع والتقدم الاجتماعي، والتطور الاجتماعي والثقافي بين أعضائه، وحماية السلام والاستقرار في المنطقة، وتوفير فرص للبلدان الأعضاء لمناقشة الخلافات سلميا. تغطي مجموعة آسيان مساحة 4.4 مليون كيلومتر مربع. ويبلغ عدد سكان الدول الأعضاء مجتمعة حوالي 617،000،000 نسمة، أي 8.8 بالمئة من سكان العالم.

وفي عام 2012، نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لجميع أعضاء المنظمة إلى أكثر من 2.3 تريليون دولار، حيث كانت آسيان كيانًا واحدًا، وأصبحت تحتل المرتبة السابعه كأكبر اقتصاد في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة.

ومنذ عام 2007، خفضت دول الآسيان تدريجيا تعرفة الاستيراد من الدول الأعضاء في إطار مسعى لإيصالها إلى صفر بالمئة بحلول عام 2016.

وتهدف هذه المنظمة في خطواتها اللاحقة إلى العمل على إنشاء سوق موحّد بقاعدة إنتاجية متكاملة حسب الإمكانات، والأكثر من ذلك هو العمل على أن تكون المنظمة مندمجة في كافة النشاطات الاقتصادية العالمية.

جاء مؤتمر قمة الآسيان الرابع عام 1992 ليمثل خطوة هامة لدعم تجارة الآسيان حيث قرر تأسيس منطقة التجارة الحرة للآسيان بحلول عام 2008، وفي أيلول/ سبتمبر 1994 قرر أعضاء الأسيان الإسراع بتأسيس منطقة التجارة الحرة عن طريق خفض الإطار الزمني الأول من 15 عاما إلى 10 سنوات.

والهدف الأول لتأسيس منطقة التجارة الحرة هو دعم قدرة الآسيان على المنافسة في السوق العالمي، ومن أجل تحقيق ذلك الهدف يجب توسيع نطاق التعاون التجاري بين دول الآسيان وزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للآسيان والتي يمكن جذبها للمنطقة بوجود سوق موحد للآسيان.

مصالح مشتركة ومتبادلة بين تركيا وأسيان

تقع تركيا في منطقة تُعد من أفضل التقاطعات الدولية من الناحية الجغرافية، فهي عبارة عن جسر طبيعي يربط مختلف أوجه النشاط الإنساني التجاري والصناعي والزراعي بين الجهات الأربع ويتميز هذا الجسر الرابط بالفعالية على مدى فصول السنة الأربع من الناحية المناخية ناهيك عن التكلفة المنخفضة لحركة نقل البضائع بين الجهات الأربع، وعليه نرى أن بإمكان أية بضاعة أن تصل إلى أسواق كبيرة وكثيرة يحتاجها مليار ونصف مليار من البشر، وهنا تكمن الفائدة الرئيسية للموقع التركي الذي تم تنشيطه وتفعيله عبر سلسلة من الاتفاقات بين تركيا  من جهة وبين كثير من الدول والمنظمات الإقليمية من جهة أخرى.

من ناحية أخرى فإن إضافة مليار ونصف مليار مستهلك إلى ما يقارب 600 مليون وهو عدد سكان دول آسيان يعني مزيدا من الحركة الميسرة للبضائع التي تنتجها مصانع ومزارع دول الآسيان وبالتالي فهي تكون بأمان من أية علامة من علامات الركود أوالتنافس بين منتجات دول الآسيان المتشابهة إذا استثنينا أندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبالتالي، وبالمقابل تكون تركيا ومعظم الدول التي وقعت تركيا معها معاهدات اقتصادية تتضمن حرية جمركية، قد ضمنت أسواق جديدة بمستهلكين لأكثر من 600 مليون متسوق. مما يوفر سوقا استهلاكيا ضخما يساعد على تنمية الاقتصاد داخل رابطة آسيان.

وقد أبدت أندنويسيا وهي من الدول المؤسسة والمهمة في آسيان عن رغبتها في تطوير العلاقات بينها وبين تركيا في مجالات حيوية واستراتيجية كإنشاء مصانع للسفن ومحطات لتصنيع الغاز، كما ابدت أندونيسيا من خلال كلمة رئيسها جوكو ويدودو أن بلاده وتركيا ستعملان من أجل توقيع اتفاقية تجارة حرة بينهما خلال العام الجاري.

ويكمن الدور التركي المهم في استفادة دول الاسيان باعتماد هذه الدول على عاملين رئيسيين تمتلكها تركيا إضافة إلى التي أشرنا إليها سابقا ألا وهو اعتماد هذه الدول على الخبرات والمساعدات التقنية من دول خارج أعضائها كاليابان بالدرجة الأساس ثم كوريا وهونغ كونغ، وهذه متوفرة بشكل كبير وبمختلف الأوجه في تركيا، والعامل الثاني والمهم بالنسبة إلى تركيا والتي تسعى إليها، أن هذه الدول تعتمد في معظم أنشطتها الصناعية والتجارية على جلب الاستثمارات الأجنبية والتي تقارب الأربعين مليار سنويا ومعظم هذه الاستثمارات تأتي من الدول الخمس الكبرى اقتصاديا.

إن تدفق رأس المال سـاعد جنـوب شـرق آسـيا على تحقيق نمو مضاعف على مدار العشـر سنوات المالية الذي لم تكن لتحققه بدوت رؤوس الأموال العالمية، وهنا يأتي المسعى التركي بناءا ومفيدا لدول الآسيان التي تسعى وبكل جدية لجلب استثمارات أجنبية  تساهم بشكل رئيسي في دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام .

عن الكاتب

محمد قدو الأفندي

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس