Banner: 

ترك برس

ألحِقت المكتبات العلمية في صدر الدولة العثمانية بالمدارس الخاصة بالعلوم الدينية أو الدنيوية، وقد تأسست أول مكتبة علمية عثمانية في مدينة بورصة، ومن ثم انتشرت المكتبات في مدن بولو وإيديرنة وإسطنبول وبقية المدن الأخرى على امتداد الدولة العثمانية.

تحولت إسطنبول بعد فتحها إلى مدينة ثقافية مركزية مهمة بالنسبة للعالم الإسلامي، وقد اتّخذ من بعض الكنائس البيزنطية الضخمة مدارس علمية تتضمن مكاتب علمية متنوعة الكتب والمراجع.

ويتوقع مؤرخون أن أول مكتبة علمية مستقلة عن المدارس تم تأسيسها في عهد السلطان محمد الفاتح عام 1459 في ساحة جامع أيوب، ولتطوير المكتبة وتوسيع مدى فائدتها أسس السلطان محمد الفاتح ما بين عامي 1463 ـ 1470 8 مدارس تعليمية بالقرب منها، ودعا العلماء المسلمين وغير المسلمين حول العالم للقدوم إلى إسطنبول لإجراء بحوثهم ونقل خبراتهم وأفكارهم القيمة لطلاب المدارس.

وصل عدد كتب مكتبة أيوب التي أسسها السلطان محمد الفاتح إلى 839 كتاب بحلول عام 1470، وقد دعم السلطان إنشاء المكتبات في عدد من المدن العثمانية الأخرى، وخصص حصة من الميزانية العامة للدولة لإنشاء المكتبات والاهتمام بها.

وقد ترك السلطان محمد الفاتح إرثا ثقافيا عظيم، اقتدى به السلاطين العثمانيون بعده فحرصوا على تأسيس الكليات التعليمية وتعزيزها بالمكتبات، ومن الأمثلة على ذلك؛ الكليات العلمية لبيازيد الثاني في مدن إيديرنة وأماسيا وإسطنبول، والكلية العلمية للسلطان سليمان القانوني في إسطنبول.

وقد أسس والي إيناجول "إسحاق باشا" مكتبة علمية ضخمة ما زالت قائمة حتى اليوم في مدينة إيناجول في عام 1489، وأسس والي إيديرنة محمد زادة عام 1492 مكتبة مماثلة، وتبعهما في ذلك ولاة المدن الأخرى، حتى انتشرت المكتبات في مدن الدولة العثمانية.

وفي القرن السادس عشر أحدث السلطان مراد الثالث تغييرا جذريا في المكتبات العلمية، إذ حث على إضافة الكتب العلمية الأجنبية "الأوروبية"، وبدأ بذلك في عام 1593، وعمل على تحويل المكتبات العلمية من مكتبات نظرية إلى مكتبات بحث تطبيقية، فأنشأ مكتبة علمية في إطار تأسيس أول مرصد فضائي من قبل العالم الشامي "تقي الدين" عام 1577.

وقد أنشئت أول مكتبة علمية مستقلة عن إدارة الدولة العثمانية في إسطنبول عام 1678، من قبل القائد العسكري "مصطفى باشا"، وقد منحت للعلماء والمفكرين، وأقيم بالقرب منها خان لاستضافتهم ومساعدتهم في بحوثهم العلمية.

أراد السلطان محمود الثاني "1808 ـ 1839"، رائد عملية الاصلاحات الغربية في الدولة العثمانية، فرض السيطرة الكاملة على المكتبات العلمية، لتوجيهها حسب خطط الإصلاح التي تقرها الدولة، ولكنه فشل في ذلك واستمر قادة الدولة وولاتها بتأسيس مكتبات علمية وقفية ومستقلة عن الدولة وتعليماتها.

اهتمت الجمهورية التركية منذ تأسيسها في عام 1923 بالمكتبات وتقديم الخدمات اللازمة لها، إلا أن الرئيس التركي السابق "عصمت إينونو"، الذي حكم تركيا تحت إطار "القائد القومي" من عام 1938 وحتى عام 1950، أهملها وحول بعضها إلى مخازن وحظائر، إلا أن الحكومات بعده حرصت على العناية بالمكتبات العلمية وتوسيعها، ويبدو أثر ذلك واضحا حتى يومنا هذا.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!