محمد حسن قدو - خاص ترك برس

اعقبت محاولة الانقلاب الأخيرة اجتماعا تشاوريا لرئيس الجمهورية مع مجلس الأمن القومي لغرض تقييم الأوضاع والاستشارات الخاصة بالإجراءات المتبعة في مثل هذه الظروف الطارئة قبل اتخاذ القرارات الاستثنائية بموجب الصلاحيات الدستورية ومنها إعلان حالة الطوارئ والتي تتم بموافقة مجلس الوزراء وبمصادقة رئيس الجمهورية في نهاية الأمر وعليه فإننا في هذه المقالة سنسلط الضوء على هذه المؤسسة المهمة ذات الطابع السيادي.

أحدثت حركة المقاومة الوطنية وحرب الاستقلال مزجًا قويًا بين الدورين السياسي والعسكري في مفهوم الوظيفة العسكري. فالسمة العسكرية تعد أبرز مكونات الشخصية التركية لأن المكون العسكري قديم قدم ظهور الأتراك على مسرح الأحداث السياسية بنحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وثمة اتفاق بين المؤرخين على أنّ العنصر العسكري في المجتمعات التركية الأولى كان عنصرًا مميزًا. وكان كل فرد تركي داخل هذه المجتمعات جنديًا على أهبة الاستعداد للقتال في أي لحظة. في العهد الذي تلا حرب الاستقلال وتأسيس الجمهورية استطاع مصطفى كمال اتاتورك ورفاقه من استخدام هذه الخاصية المميزة للشخصية التركية ذات الوجهين السياسي والعسكري في تولي إدارة البلاد. ومن ثم لم يقتصر دور الجيش آنذاك على تسليم السلطة، بل تحول الجيش ذاته الى عضو فاعل في مؤسسة النظام الجديد. 

بعد نشوء الدولة الفتية في تركيا، كانت هناك حاجة ملحة إلى تأسيس مؤسسات تحمي قيم الدولة المدنية وتدفع عنها أية محاولات للاختراق من قبل جماعات ربما تسعى إلى السيطرة على مؤسسات الدولة بمآرب مختلفة عن تطلعات الشعب التركي.

فمجلس الأمن القومي التركي هو امتداد لمجلس الدفاع الأعلى الذي انشأ عام 1933 في عهد مصطفة كمال وأثناء ترأس عصمت اينونو وزارته السادسة (أيار/ مايو 1931 - آذار/ مارس 1935). وكان يترأس مجلس الدفاع الأعلى رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء وعضوية رئيس الأركان وأعضاء مجلس الوزراء في عام 1949. وفي عهد عصمت اينونو بعد توليه رئاسة الدولة وأثناء رئاسة شمس الدين جونالتاي (كانون الثاني/ يناير 1949- مايو 1950). تم تغيير اسم مجلس الدفاع الأعلى إلى (المجلس الأعلى للدفاع القومي)، ويضم بالإضافة إلى الأعضاء السابقين وزير الدفاع كعضو دائم إضافة إلى منصبه بالإضافة إلى عدد من الوزراء يرشحهم مجلس الوزراء، وفي أعقاب انقلاب 1960 وبدستور 1961 أنشأ مجلس الأمن القومي ليصبح بذلك مؤسسة دستورية.

وبموجب المادة 111 من الدستور فقد تأسس مجلس الأمن القومي الذي يترأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه في غيابه رئيس الوزراء ويضم رئيس أركان الجيش وقادة الأسلحة الثلاثة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والقائد العام لقوات الأمن (الجندرمة)، ويمكن دعوة آخرين من الوزراء أو غيرهم لحضور بعض اجتماعاته طبقًا لجدول أعمال المجلس.

ويختص المجلس في:

- بحث الشؤون المتعلقة بالأمن القومي للدولة.

- التنسيق بين الأركان العامة ووزراء الدفاع والمؤسسات العسكرية الأخرى.

- يقوم بتقديم التوصيات المتعلقة بالأمن القومي الى مجلس الوزراء الذي يتعين عليه الاهتمام بما تتضمنه من تدابير ضرورية للحفاظ على سلامة الدولة وأمنها القومي.

- له تأثير مباشر في توجيه السياسة التي تصون امن البلاد الداخلي والخارجي.

- السماح للمجلس بالمشاركة في مشاورات مجلس الوزراء من خلال الاستشارات المنتظمة والمشاركة في المناقشات التمهيدية للحكومة.

- التحقيق والإشراف على الأحكام المتعلقة بالدعاوى والقضايا الإدارية التي تصدر عن مجلس شورى الدولة.

- يقوم بتدقيق وإبداء الرأي حول مشاريع القرارات المقدمة من مجلس الوزراء إلى المجلس الوطني الكبير.

ومن أجل تنفيذ هذه المهام ضمت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي عددًا كبيرًا من الوحدات التخصصية والمعنية بكل من الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني ومتابعة شبكة المعلومات الدولية ودراسة الحالة النفسية للمجتمع فتضم كادراً واسعاً بلغ 700 موظف. ووظيفة الأمين العام للمجلس يجب أن يكون عسكريًا وبرتبة فريق أول يختاره رئيس أركان الجيش ثم المساعد للأمين العام ثم المستشارين الرئيسيين ثم الموظفون بدرجة مستشار ثم مديري الأقسام ثم الخبراء في كافة الاختصاصات.

ويكمن قوة نفوذ مجلس الأمن القومي عبر الأمانة العامة فيما يلي:

أن جميع المعلومات تتصف بالأمانة العامة للجنة الأمن القومي وتقيم فيها وتنظم وتشكل بذلك دائرة الدولة ومن خلال عملية جمع المعلومات تنشئ هذه الأمانة علاقات واتصالات مع جميع الوزارات ومع جميع الولاة ومع قنوات التلفزيون الحكومية الرسمي ومع مؤسسة التعليم العالي التي ترتبط بها جميع الجامعات ومع الهيئة العامة للراديو والتلفزيون.

إن هذه المعلومات تكون أساسًا للقرارات التي يتخذها مجلس الوزراء والمجلس النيابي واللجان المنبثقة عنه وللقرارات المتخذة في مختلف الهيئات والمؤسسات.

كما تقوم أيضًا بجمع المعلومات الاقتصادية والسياسية والتعليمية للمجتمع والنشاط الإعلامي ضمنها الصحافة ومحطات الإذاعة والتلفزيون الخاصة.

وعلى ضوء هذه المهام فإن كل شؤون تركيا من الناحية العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية تقع في صلب عملها فضلًا عن مسؤولياتها الرئيسية ألا هو حماية الامن القومي التركي. ومما هو جدير بالذكر انه بعد الانقلاب العسكري عام 1971 تحول المجلس إلى هيئة تقدم التوجيهات إلى مجلس الوزراء حول تهديدات الأمن القومي التركي، ولكن منذ بدء عام 2001 أي بعد وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم  وقيامها بمباشرة بعض التعديلات الدستورية شملت ايضا المواد الدستورية الخاصة بمجلس الامن القومي وفي 17 /10 وبالقرار الصادربرقم 4709 ضمنت عدة تعديلات حولت مجلس الأمن القومي من هيئة تقدم التوجيهات إلى هيئة تقدم الاستشارات كما تم إضافة وزير العدل إضافة إلى وظيفته إلى عضوية المجلس كما تم إلغاء أي دورللأمانة العامة للمجلس في مجلس التعليم العالي وكذلك في شؤون محطات الإذاعة والتلفزيون إضافة إلى إضافة فقرة حول منصب الأمين العام للمجلس (بالإمكان تولي شخصية مدنية منصب الأمين العام للمجلس)، حيث كان المنصب مختصرا على عسكري برتبة فريق أول حصرا كما تم إلغاء عدة مواد كانت تمنح للأمين العام صلاحيات واسعة.

وبهذه التعديلات نرى أن مجلس الأمن القومي وأمانته العامة قد تم تحييدهما وإبعادهما من التدخل المباشر في شؤون الدولة التنظيمية والسياسية من خلال رفع عدد الأعضاء المدنيين في المجلس على حساب العسكريين.

- اعتبار المجلس ذو صفة استشارية فقط.

- إلغاء وجود الممثل للمجلس في مؤسسات الدولة الرقابية والإعلامية.

- إلغاء حق الولوج لمؤسسات الدولة المدنية المختلفة. ومنها هيئة التعليم العالي.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس