عمر تشيليك - بلومبيريج - ترجمة وتحرير ترك برس

شكلت محاولة الانقلاب في الخامس عشر من يوليو بالنسبة للشعب التركي لحظة فارقة لا في تاريخ البلاد فحسب، بل في علاقتنا أيضا بالاتحاد الأوروبي. رد الفعل الضعيف من جانب بروكسل على أخطر هجوم على الديمقراطية في أي بلد مرشح للانضمام إلى الاتحاد، ما أسفر عن مقتل 241 شخصا بريئا، يثير تساؤلات خطيرة حول مصداقية الاتحاد الأوروبي بوصف شريكا، والتزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

وإذا كانت أوروبا قادرة على أن تستعيد ثقة ملايين الأتراك، فإن هذا سيساعد على ترميم العلاقات بين الاتحاد وتركيا، هذا إذا كان لا يزال لدى الاتحاد مقومات البقاء.

في الأسابيع الأخيرة لم يتلق الشعب التركي هذا النوع من الدعم الذي كانوا يأملون فيه من القادة الأوروبيين، فكل إدانة للانقلاب من الغرب رافقتها قائمة طويلة من الشروط والاستدراكات والتحفظات. وبمقدور أي مراقب محايد أن يقتنع بسهولة بأن مدبري الانقلاب، على النقيض من ضحايهم، هم الطرف المتضرر.

إن إخفاق أوروبا، وياللأسف، في التمسك بمبادئها الأساسية  ليس أمرا جديدا، ففي أعقاب الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 الذي انقلب على حكومة منتخبة ديمقراطيا، هرع مسؤولو الاتحاد الأوروبي إلى القاهرة لمقابلة قائد المجموعة العسكرية الانقلابية، الجنرال عبد الفتاح السيسي.كانت ردود أفعال المسؤولين الأوربيين دلالة على وجود مشكلة أوسع تلاحق أوروبا منذ منتصف العقد الماضي، من تصاعد الخطاب الشعبوي والانعزالية وكراهية الأجانب.

ومع مواجهتهم لتحديات أكبر من أي وقت مضى، تحول الشعبويون الأوروبيون إلى لوم تركيا بدلا من معالجة القضايا الحقيقية التي تؤثر على حياة مواطنيهم. ومع ذلك حافظت تركيا على موقفها المهني البناء، بمواصلة العمل مع أوروبا للتغلب على التحديات المشتركة.

عندما تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين القادمين من سوريا وأماكن أخرى إلى أوروبا عبر الجزر اليونانية، عمل المسؤولون الأتراك مع نظرائهم الأوروبيين على إنشاء آلية قانونية لإعادة توطين اللاجئين، وهي آلية أثبتت نجاحا تاريخيا. في غضون أسابيع، انخفض عدد الوافدين في أوروبا من عدة آلاف إلى حفنة يوميا. نواصل اعتراض قوارب التهريب، واتخاذ إجراءات صارمة ضد مهربي البشر، وتلبية احتياجات اللاجئين، وذلك على الرغم من أن أعضاء الاتحاد الأوروبي جاؤوا بأعذار عن إخفاقهم في الوفاء بوعودهم لتركيا، بما في ذلك الدعم المالي للإنفاق على اللاجئين تكاليف اللاجئين، وإعفاء الأتراك الذين يريدون الذهاب إلى أوروبا من التأشيرات.

ساعدت تركيا أيضا على بقاء تركيا آمنة، ولم تكن في الخطوط الأمامية في الحرب على الجماعات الإرهابية فقط، بل تعاونت أيضا مع الحكومات الأوروبية لوقف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب من القارة الأوروبية إلى منطقة الصراع.

مُنع أكثر من 50 ألف شخص من المشبه بهم بالإرهاب، وبينهم كثير من الأوروبيين من دخول تركيا. وفي الوقت نفسه أخطرت السلطات التركية نظيراتها الأوروبية عن أفراد خطرين، بعضهم كان متورطا في الهجمات الوحشية على الأبرياء في باريس وبروكسل. وفي الآونة الأخيرة  وبالتعاون مع الجيش السوري الحر دخلت تركيا مدينة جرابلس التي تعد معقلا رئيسا لتنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا. وفي الأيام الأخيرة حققنا تقدما جيدا في إنجاز مهمتنا المتمثلة في: تأمين الحدود، وإزاحة التهديدات التي يتعرض لها المواطنون الأتراك، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

وأخيرا ساعد موقف تركيا البناء تجاه الاتحاد الأوروبي على تحسين صورة المنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك في أوساط الجاليات المهاجرة في جميع أنحاء أوربا. على مدى فترة طويلة كان ينظر إلى انضمام احتمال انضمام بلد كبير ذي أغلبية مسلمة إلى النادي الأوروبي على أنه علامة على التزام أوروبا بالتعددية. وعلى الرغم من أن كثيرا من القادة الأوروبيين يفضلون الهجوم على  الحكومة التركية، فإن أولوياتنا لم تتغير: إذ لا تزال عضوية الاتحاد الأوروبي هدفا استراتيجيا لتركيا، ولن يوقفنا معايير مزدوجة أو سلوكيات سيئة.

ومن أجل المضي قدما لا تستطيع أوروبا أن تتجنب اتخاذ بعض القرارات الحازمة حول ما يمثله الاتحاد، وإلى أي مدى هم مستعدون للذهاب للحفاظ على قيم الاتحاد، وإلى أين يرغبون أين يكون الاتحاد بعد بضعة عقود. إن الكلام اليوم عن محاولة الانقلاب الساقط في تركيا وعضويتها المحتملة في الاتحاد هو عن شيء أكبر بكثير من بلدي نفسها. هذا النقاش يوحد القيادة الأوروبية ضد الشعوبية، ومع التسامح ضد التمييز، وتفضيل المبادئ على المصالح القصيرة، والحس السليم على التطرف.

عن الكاتب

عمر تشيليك

صحفي وسياسي تركي ووزير الثقافة والسياحة التركي السابق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس