علي أبو هميلة - الجزيرة مباشر

عندما يضيق بك الأفق وتحاصرك الأحزان، وتحاول الفكاك من براثن الاكتئاب، اذهب بلا تفكير إلى عالم الإبداع، هكذا علمتني سنوات طويلة من البحث عن الجديد، أو البحث عن الراحة النفسية والانفصال عن واقع شخصي أو عام يحمّل القلب والعقل فوق الاحتمال. في زمن بعيد نسبيا، وحينما كنت في الوطن، كان أصحابي في حالات الحزن هم المبدعين، كُتابًا وشعراء، موسيقيين ومطربين، كانوا رفاق الرحلة، فما أن أشعر بالاختناق حتى أهرول إلى ديوان شعر، رواية، أغنية، مسلسل تلفزيوني قديم، أو فيلم سينمائي.

أحيانا كنت أتساءل عن سر غسيل الوجدان الذي تفعله تلك الإبداعات، وأحيانا كثيرة كان يتساءل الأصدقاء عن سرها، ويطلق البعض عليها القوة الناعمة، فهي تتسلل إلى وجدانك وعقلك لتجعلك في مكان آخر، ولا سيما إن كانت تحمل قيما روحية ذات قيمة، ويستهويني فيها الموضوعات التاريخية.

لا أنكر أن سنوات الغربة في إسطنبول قد أتاحت لي فرصة كبيرة للتعرف على الدراما التاريخية التركية، نعم تعرفت قليلا من زمن بعيد، شاهدت أعمالا اجتماعية تاريخية مثل “على مر الزمان”، اجتماعية مثل “فاطمة غول” و”العشق الممنوع”، تاريخية مثل “حريم السلطان”، تصورت بعدها أن الدراما التركية رغم التألق تأليفا وإخراجا لن تشدني بدرجة كبيرة، وإن كنت أحببت أعمالا مثل “عزيز” و”على مر الزمان” و”فاطمة غول”.

المزايا الكبرى في الأعمال التركية كانت تتمثل في هذا الزخم الكبير من الممثلين الممتازين، الذين يجيدون الأدوار التي يؤدونها، الكتابة الدرامية في بعض الأعمال تُذكّرك بأعمال عربية ضخمة، كل هذا كان يضاف إليه براعة المخرجين، والفنيين في الديكور والإضاءة، والملابس.

لا أخفي أنني كنت أغار في بعض الأحيان، حينما اكتسحت الدراما التركية العالم العربي في العقد الأول من القرن العشرين لم أكن أوليها اهتماما كبيرا، وتصورت خاطئا أنها سلسلة من الأعمال الأجنبية الموجَّهة إلى عالمنا العربي مع تدهور قواه الناعمة، وغياب الدور المصري الكبير، حتى أتاح لي السفر والإقامة في إسطنبول مساحة أكبر من الوقت لمشاهدة الأعمال التركية، وخاصة التاريخية التي بدأت بالتألق بعد عام 2015، وبعد هذا التاريخ فاجأتنا الدراما التركية بمجموعة من الأعمال التاريخية والروحية التي تمثل فترة ازدهار الحضارة الإسلامية في العصر العثماني.

خلال الحملة الانتخابية للرئاسة في تركيا، قال الرئيس رجب طيب أردوغان إنه يحلم في هذا العام أن تصبح الدراما التركية أحد مصادر الدخل القومي، وأضاف أنه يتوقع أن يكون لها نصيب يبلغ 52 مليار دولار، يبدو الرقم كبيرا بالفعل، ولكني أزعم أنه سيصل إلى رقم قريب من هذا، خاصة مع التطور الكبير في الأعمال التركية في جوانب العملية الفنية، خاصة التمثيل والإخراج ومختلف عناصر العمل الفني.

خلال الفترة القصيرة الماضية، بدأت أتابع بعض الأعمال التاريخية الجديدة، شاهدت ما قُدّم حتى الآن من حلقات “جيلان الزاهد”، وهو مسلسل تاريخي عن الزاهد عبد القادر الجيلاني تمتزج فيه الحالة الصوفية بالحالة التاريخية، وما يحيط رحلته من أحداث تاريخية، ويبرز فيها دور رجل الدين في ما يمر به الناس من حوله، فهو مشتبك مع قضايا المجتمع لا ينعزل في صومعة، ولا يتردد عن دعم الحق مهما كلفه.

المسلسل يأخذك إلى عالم جديد وأجواء تاريخية وأحداث كثيرة، وصراع السلطة مع الصوفي المشتبك مع قضايا المجتمع، فبينما يريد الوزراء وما حول القصر أن يكون رجل الدين صاحب المدرسة الصوفية داخل مدرسته فقط، يرى الجيلاني أن العلوم الدينية هي جزء من حياة المجتمع، لا تنفصل عنه، ويشتبك مع الوزراء ورجال القصر من أجل إحقاق العدل.

مسلسل آخر يُعرض الآن هو “مولانا جلال الدين الرومي”، العمل يبدأ من عهد الدولة السلجوقية، وحرب المغول عليها، ومؤامرات قاضي القضاة الطامع في خلافة خسرو سلطان السلاجقة في قونيا، ويصل الأمر بقاضي القضاة إلى التآمر مع المغول.

تلك الفترة التي كان مولانا الرومي هو عالم قونيا الأكبر والضلع الثاني في الدولة، وصاحب المدرسة الكبرى في تعليم علوم الدين، تلك الفترة التي سبقت ظهور شمس الدين التبريزي في حياة الرومي، هذا العمل يستحق توقفا خاصا بعد انتهاء حلقاته.

أما مسلسل “بربروس”، فقد قدّمت له إشارات فيما سبق، وخاصة الجزء الثاني الذي أشار إلى مجموعة قيم لا تتصل فقط بالتاريخ التركي والمواطن في تركيا، فالعمل يشير بوضوح إلى الصراع العالمي بين الغرب والشرق، وأشرت إلى الصراع داخل القصر الذي كان يقوده سرا الصدر الأعظم إبراهيم البرغالي من أجل الاستيلاء على السلطة.

لكن الإشارات في العمل أكبر من ذلك، خاصة في الصراع مع أسر صرافي العالم الذين يتحكمون في تدفق الأموال إلى الغرب من أجل إقامة مملكة الجنة في القدس، هذه إشارة أخرى إلى صراع الغرب مسيحيا كان أو صهيونيا مع العالمَين الإسلامي والعربي، حلم السيطرة على فلسطين مفتاح السيطرة على العالم العربي، الشرق والجنوب بثرواته.

صراع طويل لم تكن بدايته الدولة العثمانية، ولا نهايته تفتيت الأمة وسيطرة التطبيع الصهيوني على المشهد العربي، لكن الإشارة إليه في الدراما التركية تعكس وعيا للكُتاب، ومنتجي الدراما فيها، وعناصرها الفنية، بل إنها تعكس رؤية دولة تتجه إلى جديد في العالم، وتحتضن رعايا دول عربية وإسلامية.

لا أنكر أنني تمنيت كثيرا أن تكون مصر حاضرة في مشهد كهذا، لكن ليست كل الأماني ممكنة في بعض الأوقات، راجعت إنتاجنا المصري على مدى نصف قرن في الدراما التاريخية والدينية، وعرفت القيمة الحقيقية لمعنى القوى الناعمة، التي كانت لنا في ستينيات القرن العشرين وبعدها لمدة ثلاثين عاما، وأدركت سر توقفها.

ما كان لنا أن ندعم روح المقاومة، والانتماء إلى العروبة والإسلام، في ظل معاهدات وعلاقات مع الكيان الصهيوني الطامع في الأرض العربية من النيل إلى الفرات، لكن الواقع يقول إن الإدارة في تركيا أدركت معني أن تستخدم قواها الناعمة في الوصول إلى الوجدان العربي والإسلامي، لهذا من حق الرئيس التركي أن يطمع في أن تصبح الدراما التركية مصدرا للدخل القومي، كما كانت السينما والدراما المصرية في الماضي.

عن الكاتب

علي أبو هميلة

إعلامي مصري


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس