د. سمير صالحة - تلفزيون سويا

كيف انتقلت دمشق، بعد أكثر من عقد كانت فيه مسرحا لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، إلى عنوان للتقارب والانفتاح، ومحور لموازنة السياسات وتنسيق المصالح في الإقليم؟

تتقاطع اليوم مقاربات أنقرة والرياض والقاهرة عند رؤية استراتيجية واحدة: سوريا لم تعد أزمة تُدار، بل دولة يجب أن تُستعاد، هذا التحوّل لا يعكس فقط تبدلاً في مقاربة العواصم الثلاث للملف السوري، بل يؤشر إلى إعادة تموضع إقليمي أوسع، تسعى فيه القوى المؤثرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ومراجعة تفاهماتها، وضبط ارتدادات مرحلة طويلة من الصراع وعدم الاستقرار.

ويأتي هذا التقاطع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن فيها مرحلة انتقالية دقيقة تعيشها سوريا مع إعادة تموضع واسعة في الإقليم، فرضها تصعيد إسرائيلي متواصل، وتوتر متزايد في العلاقة الإيرانية–الأميركية، وحاجة ملحّة لدى دول المنطقة لضبط ساحات الاشتباك المفتوحة.

لم تعد سوريا ملفاً يفرّق العواصم، ولا ساحة مفتوحة على صراعات الآخرين، بل أصبحت نقطة ارتكاز تتلاقى عندها مصالح إقليمية ودولية، ومساحة لاختبار مسارات جديدة للتقارب والتحالف المتوازن، السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما الذي سيقرب أنقرة والرياض والقاهرة فقط، بل ما الذي يجعل هذا التقاطع ممكناً، وكيف يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة السورية ومساعدتها على استرداد دورها في المنطقة.

كانت سوريا حتى وقت قريب سببًا مباشراً لتباعد المواقف بين تركيا والسعودية ومصر، لكل دولة حساباتها ومخاوفها الأمنية والسياسية، ولم يكن هناك أرضية واضحة للتعاون، اليوم، المشهد السوري نفسه أصبح عنصر تقارب، مع إدراك متزايد بأن ضعف الدولة السورية سينعكس مباشرة على استقرار الإقليم ويُبقي المنطقة رهينة معادلات مضطربة وتصعيد مفتوح.

التحوّل هنا مزدوج: سوريا تعيد تموضعها داخليًا وخارجيًا، والإقليم يعيد ترتيب أولوياته، بما يجعل دمشق محوراً لا محيد عنه في التوازنات الإقليمية.

تتقاطع مواقف الدول الثلاث عند مجموعة من الثوابت: دعم قيام سوريا مستقرة وموحدة وذات سيادة، ضمان حق السلطة في إدارة شؤون البلاد وبسط نفوذها على كامل الأراضي، والعمل على منع أي تصعيد سوري-إسرائيلي قد يخل بالتوازنات الإقليمية، هذا التقاطع لا يعني تطابقاً كاملاً في الرؤى أو الأساليب، لكنه يعكس إدراكاً مشتركاً بأن استقرار سوريا أصبح مصلحة إقليمية مباشرة لا يمكن تجاهلها أو تأجيلها.

تقارب من هذا النوع لا يُبنى دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجياً، عبر تنسيق سياسي واستراتيجي محوره أهمية استقرار سوريا عربياً وإقليمياً، ودعم إيجاد آليات واقعية لإعادة الإعمار، بعيداً عن الشعارات أو الرهانات غير القابلة للتحقق، هنا تبرز قيمة هذا الثلاثي تحديداً بالنسبة لسوريا الخارجة من مرحلة إنهاك طويلة، والمُحاطة ببيئة إقليمية ودولية معقدة.

ويظهر التمايز بين الدول الثلاث بوضوح في مقاربتها لكل ملف: تركيا تركز على أمن حدودها الشمالية، مكافحة التهديدات العابرة، وتهيئة بيئة مستقرة تسمح بعودة اللاجئين، وهي أكثر استعداداً للانخراط العملي والتنفيذي على الأرض.

السعودية تركز على البعد السياسي والدبلوماسي، وخلق بيئة اقتصادية مستقرة، مع الاستعداد لدعم مشاريع إعادة الإعمار ضمن إطار إقليمي ودولي أوسع، ومصر تنطلق من مقاربة حذرة، تضع سيادة الدولة والشرعية السياسية في صلب أي حل، مع مراعاة الأمن القومي العربي والتوازنات الإقليمية.

هذا التنوع في الأساليب يمنح التقارب مرونة وقدرة على الاستمرار، طالما بقي الهدف المشترك حاضراً: سوريا مستقرة وقادرة على ممارسة سيادتها.

يفتح التقارب الثلاثي أمام سوريا فرصاً سياسية واقتصادية ملموسة، فهي تستطيع أن تعود إلى المنصات الإقليمية كفاعل لا كعبء، وتصبح نقطة ربط بين تركيا والخليج وأوروبا، ومركز ثقل جغرافي-اقتصادي، ما يعزز دورها الإقليمي ويتيح لها جذب الاستثمارات والمشاريع التنموية.

وتزداد أهمية هذا التنسيق الثلاثي بالنسبة لسوريا التي أصبحت ليست مجرد ساحة داخلية، بل نقطة توازن إقليمية تؤثر على الأمن، الاقتصاد، خطوط الطاقة، والمعابر التجارية، مما يضع دمشق في موقع حاسم ضمن معادلة الاستقرار الإقليمي.

تركيا توفر بوابة جغرافية وحدودية وخطوط عبور للطاقة والتجارة، السعودية تقدم الشرعية العربية والثقل المالي، ومصر تضبط الإيقاع وتحمي التوازنات وتفتح مسارات نحو العمق العربي والإفريقي.

كذلك، يوفّر هذا التنسيق غطاءً للاستقرار السياسي، وتأمين الأرض والحدود، ويسهم في تهيئة الظروف لعودة المؤسسات الدولية، والاستفادة من خبرات الدول الثلاث في إعادة بناء الدولة ودمج أطراف متباينة ضمن مسار سياسي طويل الأمد.

إضافة إلى ذلك، يدعم التنسيق الثلاثي جهود دمشق في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة مواتية للاقتصاد، وتقليص أي محاولات نفوذ خارجي قد تعرقل الاستقرار.

سوريا، بفضل هذا الدعم، ستمتلك فرصة إعادة تموضعها كدولة طبيعية في الإقليم، بعد سنوات من العزل والتهميش والتحول إلى ساحة صراع مفتوحة، التكامل بين تركيا والسعودية ومصر يمنح دمشق أفقًا لإعادة بناء الدولة، وتحقيق دور محوري في المنطقة.

يعتمد نجاح هذا المسار على قدرة دمشق في إدارة علاقاتها الداخلية والخارجية ضمن التوازنات الجديدة، والاستفادة من الدعم السياسي والاقتصادي المقدم. إدارة هذه المرحلة بعقلانية وحذر تعني أن سوريا لن تكون وحدها من يخرج من أزمته، بل إن الإقليم بأسره يمكن أن يخطو خطوة نحو تقليص ارتدادات مرحلة طويلة فرضت عليه كلفة سياسية وأمنية واقتصادية باهظة.

بهذا تتحول سوريا من ساحة صراع إلى حلقة مركزية في استقرار المنطقة، ونموذج للدولة القادرة على لعب دور محوري في التوازنات الإقليمية، مع الحفاظ على استقلاليتها وسيادتها كشرط أول لأي مسار مستدام.

لا تختبر سوريا وحدها قدرتها على النهوض، بل يختبر الإقليم بأسره إمكانياته في الاستفادة من هذه التجربة، فنجاح هذا التقارب الثلاثي مرهون بمهارة دمشق في الانتقال من ساحة تُدار بالتوازنات، إلى دولة تتعامل معها بفاعلية، استثمار اللحظة جيداً يعني أنها لا تسترد فقط موقعها الطبيعي في الإقليم، بل تسهم مع هذا الثلاثي في إعادة تشكيل توازنات المنطقة بكاملها. 

عن الكاتب

د. سمير صالحة

البرفسور الدكتور سمير صالحة هو أكاديمي تركي والعميد المؤسس لكلية القانون في جامعة غازي عنتاب وأستاذ مادتي القانون الدولي العام والعلاقات الدولية في جامعة كوجالي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس