
سعيد الحاج-عربي21
ليس هناك دولة في المنطقة تضاهي إيران في إثارة الجدل، على الصعيدين النخبوي والشعبي، في السنوات الأخيرة. هذه حقيقة ماثلة، لكنها ليست موضوع المقال.
وقد انتهجت إيران سياسات توسعية في المنطقة، تارة باسم "تصدير الثورة" وطورا تحت عنوان حماية الذات ومرة ثالثة بذريعة حماية الأقليات الشيعية أو غير ذلك، مما أثار خوف بعض دول وأنظمة المنطقة منها، وهذا واقع معروف، لكنه ليس موضوع المقال.
وقد ارتكبت إيران خطيئة كبرى حين قاتلت إلى جانب نظام الأسد ضد جزء من شعبه خلال الثورة السورية، بشكل مباشر ومن خلال قوى ومليشيات تدور في فلكها، مما جعلها عرضة لانتقادات وتجريم من قبل الغالبية العظمى من النخب والشعوب العربية، بما في ذلك من يقدّرون موقفها الداعم لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية ودورها في مواجهة الاحتلال، لكن هذا أيضا ليس موضوع المقال.
موضوع المقال هو "لوثة" تبلورت وترسخت مع الوقت بخصوص إيران، على صعيد التحليل والموقف على حد سواء، بكل ما تحمل كلمة "لوثة" من معنى فقدان الاتزان والحكمة والصواب، حيث يُحصر الشر والسوء والضرر بإيران في المنطقة، ويركز عليها دون غيرها، بمبالغات واضحة في توصيف الواقع والتقييم والاستشراف ثم اتخاذ المواقف.
من "لوثة إيران" إفرادها بمعاندة خيارات الشعوب وخصوصا في سياق الثورات العربية، رغم أن عدة أنظمة ودول شكلت محور "الثورة المضادة" لوأد المسار وإفشاله، ودعمت أنظمة دكتاتورية ارتكبت الجرائم وبعضها اقترف المجازر بحق شعبه.
ومن "لوثة إيران" وصفها دون غيرها بالدولة التي تعتمد على المليشيات، رغم أن هناك دولة أخرى أكثر منها اعتمادا عليها. وإذا كانت إيران استفادت من ضعف قبضة الدولة المركزية في بعض البلدان لدعم تيارات تربطها بها أيديولوجيا أو مصلحة، فإن الإمارات دعمت مليشيات انفصالية لا تربطها بها أيديولوجيا أو مصلحة معتبرة، بهدف إضعاف الدول وتقسيمها. والطريف أن بعض المصابين بـ"لوثة إيران" انتقدوا الإمارات مؤخرا فقط حين تعاظمت خلافاتها مع السعودية.
ومن "لوثة إيران" الحديث عن "الدم الذي سفكته" إيران في أربع دول عربية، يقصد بها سوريا والعراق واليمن ولبنان، دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء أن يخبرنا أين الدم الذي أسالته إيران في لبنان، على يد حزب الله طبعا كما يُقصد. ومنها الحديث عن دور إيران في إذكاء الصراع الداخلي في اليمن ودعم الحوثيين، رغم أن دخولها كان متأخرا، بعد أن كانت السعودية والإمارات بدرجة أقل سبقتاها للتدخل وحتى دعم الحوثيين في حينها.
ومن هذه اللوثة الحديث بكل ثقة عن "التعاون الأمريكي- الإيراني" في إسقاط نظام صدام حسين في العراق، في تجاهل متعمد لسياق الأحداث، حيث تعاونت معظم الدول العربية مع الإدارة الأمريكية لتبرير عدوانها على العراق وشاركت معها في إسقاط النظام العراقي، ثم كانت إيران هي الأقدر على الاستفادة من هذا الفراغ (وهذا لا ينفي تنسيقها لاحقا مع واشنطن).
الأهم في "لوثة إيران" هو المبالغات "العددية" في إظهار خطرها على المنطقة العربية، بحيث يوضع في خانتها وحدها عدد الشهداء خلال الثورة السورية على سبيل المثال، وكأنه لا مسؤولية للنظام ولا روسيا من جهة، ولا لقسد والتحالف الدولي من جهة ثانية، ولا لداعش من جهة ثالثة، ولا حتى فصائل المعارضة من جهة رابعة، في حصيلة الشهداء الكبيرة في سوريا.
المشكلة الثانية والأخطر في هذا "التقييم العددي" أنه يأتي بشكل شبه دائم في إطار المقارنة مع جرائم الكيان الصهيوني، وفق سردية أن "إيران سفكت دما أكثر من إسرائيل"، وبما يخدم معنى أن "إيران أكثر خطرا من إسرائيل" وأنه ينبغي "مواجهة الخطر الأكبر". وهو طرح يدعم سردية الاحتلال ويبرر ضمنا، بشكل مقصود أو دون قصد، فكرة التعاون معه ضد "الخطر الأكبر".
ولا يخفى أن هذا أصلا خطاب "إسرائيلي" طالما ردده الناطق السابق باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، فضلا عن أن هذا "التقييم العددي" ليس منهجا صالحا للتقييم والمقارنة بين كيان محتل مزروع في المنطقة خلافنا معه وجودي، وبين دولة إسلامية من دول المنطقة خلافنا معها في بعض سياساتها.
لقد كتب صاحب هذه السطور عام 2014 مقالا بعنوان "عصا موسى.. مشروع التطبيع الخليجي مع إسرائيل"، ودلّل فيها على أن المبالغة في تصوير الخطر الإيراني مقصود لذاته لتبرير تطبيع بعض الدول مع الكيان، وليس أن التطبيع خيار اضطراري لحماية الذات من الخطر الإيراني. وهو ما حصل لاحقا، ويذكرنا به الخطاب الحالي المشار له.
ومن سخافات "لوثة إيران" الكبيرة وضع حركات المقاومة الفلسطينية في إطار "خدمة مصالح إيران"، رغم أن الاحتلال والمقاومة قائمان من قبل الثورة الإيرانية في 1979، لدرجة أن البعض اتهم حركة الجهاد الإسلامي بتفجير موجة تصعيد مع الاحتلال "خدمة لأجندة إيرانية" في 2019 (وفي سنوات لاحقة)، رغم أن التصعيد كان قد بدأ إثر اغتيال الاحتلال لقيادات في الجهاد وذراعه العسكرية سرايا القدس؛ بمعنى أن مجرد دفاع المقاومة الفلسطينية عن نفسها بات يُجيّر لخدمة سردية التجييش ضد طهران في المنطقة، رغم أن لهذه الحركات الحق أصلا في مبادأة الاحتلال في أي وقت وتحت أي ظرف.
ومن سخافات اللوثة الترويج لفكرة "أي نظام غير الملالي"، لدرجة امتداح البعض لنجل الشاه المقيم في الخارج وعدِّه بديلا مناسبا، رغم أنه غير مقبول من الشعب الإيراني، وفي ظل تبجحه بالعلاقات مع "إسرائيل" ورغبته بالتحالف معها. وهنا تختفي أو تتخفى السرديات القومية والمذهبية المتعلقة بإيران "الفارسية" و"الشيعية" بشكل واضح.
الأدهى والأمرّ أنه بعد تراجع نفوذ إيران في المنطقة، ولا سيما في سوريا، والعدوان "الإسرائيلي"- الأمريكي عليها، وفي ظل عدوان وشيك يهددها به ترامب خدمة لمصالح "إسرائيل" لتسييد الأخيرة على كامل المنطقة، ثمة من لا زال مصرّا على خطاب "التقييم الرقمي" المبالغ به في التحذير من الخطر الإيراني. وهو خطاب لا يكتفي بأنه منبتٌّ عن السياق وغير ذي صلة عن حديث اليوم، ولكنه يخدم بشكل غير مباشر سردية التحريض ضد إيران، وتبرير العدوان الأمريكي و"الإسرائيلي" عليها (وكأنهما لم يحتلا أرضا أو يسفكا دما)، بل ووضعه في سياق "مصلحة دول المنطقة وشعوبها".
وأخيرا، فمن لوازم "لوثة إيران" اتهام من يرفض هذه الأجندة المنظّمة بأنه مرتزق لإيران أو منتفع منها، حتى ولو كان صاحب مواقف معروفة ومعلنة في إدانة ما يستحق الإدانة من سياساتها الخارجية. وهو أسلوب "رمتني بدائها وانسلّت"، ومنطق "خير وسيلة للدفاع هي الهجوم"، بحيث يحاول هذا البعض نفي التهم عن نفسه بتوجيه الاتهام للآخرين.
هذه اللوثة سببها عند البعض عاطفي- أخلاقي مفهوم في سياقات سابقة، وغير مبرر في السياق الحالي الذي سبقت الإشارة له، ولكنه لدى البعض، وخصوصا من بعض النخب، أجندة مقصودة في سياق مصلحي ضيق، من قبيل التكسب أو الارتزاق أو تقديم أوراق الاعتماد أو كسب المواقف أو المزايدات الأخلاقية، ذلك أن سردية مواجهة إيران تتفق مع أجندة بعض الدول الخليجية، وتتسق مع الأولويات الأمريكية في المنطقة، وتناسب الجو العام في سوريا اليوم، كما أنها لا تصطدم مع موقف تركيا التي تحكمها علاقات تنافسية مع إيران؛ بمعنى أن "لوثة إيران" خطاب لا يؤدي لخسائر أو دفع ثمن، بل على العكس تماما، يعد بمكاسب مادية أو معنوية كثيرة، خصوصا وأنه يحتمي بخطاب الحقوق والدماء و"المظلومية السُّنّية".
ولذلك فقد استمرت هذه اللوثة وترسخت وتعمقت، ثم تحولت مع الوقت إلى شماعة تعلّق عليها أخطاء الجميع، بحيث يؤدي ذلك ضمنا لتبرئة ساحة أطراف أخرى، أو إلى "عصا موسى" التي تلهي عن مسارات وقرارات وتوجهات عظيمة الخطأ والخطر، تلهي عنها ثم تبررها.
ومن البديهي أن الدماء والحقوق هنا مجرد ذريعة وليست سببا حقيقيا، وإلا لكانت معيارا يطبق على الجميع. لكن لأن المعيار ليس موضوعيا ولا واحدا، فإن التقييم ليس هو ذاته، وبالتالي فالمواقف متغيرة ومتباينة حسب الفاعل والقضية، وأحيانا حسب الفاعل في القضية ذاتها.
إن منطقتنا في لحظة تاريخية خطيرة يعاد فيها رسم خرائطها بالدم والبارود، ويراد أن يُسلّم قيادها للكيان الصهيوني بمشاركة مباشرة من الإدارة الأمريكية، ورغم ذلك يصر البعض على مراهقة فكرية وطفولة سياسية وسذاجة استراتيجية، معتمدا خطابا شعبويا يحرض الشعوب على بعضها البعض، ويبرر ضمنا العدوان على دول المنطقة وشعوبها، وربما يصل لمرحلة تسويغ التطبيع والتعاون مع الكيان الصهيوني.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












