
ترك برس
توفي المؤرخ والكاتب التركي البارز إيلبر أورطايلي، الجمعة، تاركاً وراء إرثاً علمياً وأكاديمياً كبيراً، والقليل من الجدل حول بعض آرائه المتعلقة بفلسطين واللاجئين السوريين.
وعقب تلقيه نبأ وفاته، أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن تعازيه لأسرته ولمحبيه ولطلابه.
وقال في منشور له على منصة "إكس": شعرت بحزن عميق لوفاة أستاذنا العزيز البروفيسور الدكتور إلبر أورطايلي، الحائز على جائزة رئاسة الجمهورية الكبرى للثقافة والفنون، والذي نال احترام شعبنا بشخصيته الفكرية ومعرفته الواسعة ومؤلفاته وأبحاثه ودراساته الأكاديمية.
ويعد البروفسور أورطايلي (78 عاماً)، من كبار المؤرخين الأتراك، وله عشرات الكتب التاريخية، ترجمت إلى العديد من اللغات حول العالم.
وكان أورطايلي قد أثار الجدل بآرائه حول فلسطين، في أعقاب أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما ادعى بأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم لليهود منتصف القرن الـ 20
ولاقت تصريحات أورطايلي هذه، انتقادات من قبل الكثير من الأكاديميين والشخصيات التركية البارزة والتي راحت تنشر مقالات وتدوينات تفنّد مزاعمه هذه.
عقب دخوله العناية المشددة مؤخراً قبل وفاته، نشر الكاتب التركي مصطفى أرمغان، مقالاً بعنوان "آهات فلسطين"، انتقد فيه بشكل مبطن آراء أورطايلي في هذا الخصوص.
من جهة أخرى، أيد أورطايلي بشكل غير مباشر، دعوات ترحيل اللاجئين السوريين من تركيا.
وقال في إحدى تصريحات: أعتقد أنه يجب ترحيل اللاجئين. فكيف أجعل من جماعة لم تدافع عن وطنها مواطنين؟ ثم إن تركيا ليست جنّة وارفة الظلال. وغدًا سأكون مضطرًا لإدخال هؤلاء إلى الجيش، فهل سأكون قادرًا على ذلك؟
حينها رد الكاتب الصحفي التركي يلديراي أوغور على أورطايلي بالقول: عام 1943، عندما اقترب الجيش الأحمر من شبه جزيرة القرم، هرب أكثر من عشرة آلاف من جنود تتار القرم مع عائلاتهم من القرم مع النازيين. تم نقل جزء منهم إلى مخيم اللاجئين في بريغنز، النمسا. وُلد إيلبر أورطايلي في ذلك المخيم، ثم هاجرت عائلته إلى تركيا وحصلت على الجنسية التركية.
وفي سياق متصل، نشر الأكاديمي والسياسي التركي السابق ياسين أقطاي، مقالا أيضا في وقت سابق، انتقد تصريحات أورطايلي بحق اللاجئين، رغم كونه مهاجرا هو الآخر.
وقال أقطاي في مقال له على "الجزيرة نت": هذه التصريحات كانت عادية؛ لأنها مشابهة لتلك التي تصدر عن عنصريين آخرين. لكن المثير للاهتمام أنه قبل عام واحد فقط، وفي برنامج تلفزيوني، ذكر أن اللاجئين السوريين والأفغان لم يضروا بالاقتصاد التركي، بل على العكس، ثم أشار إلى أن "تركيا بحاجة إلى اللاجئين لأننا نتقدم في العمر، وسنحتاج لحماية أقلياتنا الثقافية حول العالم". وفي مناسبة أخرى، دافع بشكل منطقي عن وجود المهاجرين الأفغان في تركيا، قائلًا إن الزراعة ستنهار من دونهم.
وأضاف: هذا التناقض الصارخ بين آرائه دفع البعض للتساؤل عن سبب تصريحاته الأخيرة. من الممكن أن أورتايلي حاول مسايرة الموجة المتزايدة من العداء تجاه اللاجئين السوريين في الآونة الأخيرة. لكن في هذه الحالة، فإن خيبة الأمل لا يمكن تفاديها عندما نجد عالمًا بهذه الجدية والقوة يستسلم لموجة فاشية بدلًا من استخدام معرفته لمواجهتها.
وأشار إلى أنه "في الحقيقة، أورتايلي، كعالم تاريخ يملك سلطة كبيرة، لم يكن يومًا مجازفًا، بل على العكس، كان دائمًا يمشي في خط متوازٍ مع الاتجاهات الصاعدة، مما يجعله عالمًا عاديًا. وللأسف، فإن الكثير من المؤرخين في تركيا لا يقدّمون معرفتهم الحقيقية أو ما يُتوقع منهم تقديمه."
وفيما يلي تتمة مقال أقطاي:
لقد قبل المجتمع بأورتايلي كسلطة في التاريخ، إلا أن السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل يستغل معرفته وسلطته لبناء نفوذ خاص به أم أنه يفضّل أن يكون مجرد ناطق بلسان سلطات أخرى؟ بالنظر إلى أن السلطات التي يمثلها ليست بالضرورة الحكومة الحالية أو الدولة، فمن الواضح أن أورتايلي يسعى للعب دور مختلف.
أكثر ما أثار الجدل في تصريحاته هو قوله: "مجموعة غير قادرة على الدفاع عن وطنها". هذا التصريح لفت الأنظار بشكل خاص؛ لأنه يتطلب توضيح ما إذا كان السوريون في تركيا قد تركوا وطنهم بسبب احتلال أجنبي أو قوة خارجية. وعند فتح هذا الملف، يجب التوضيح أن الشعب السوري لم يترك وطنه لأنه تعرض لغزو من دولة أخرى. بل واجه السوريون هجمات عنيفة إذ دُمرت منازلهم، قُتل الكثير منهم، والباقون فروا بأرواحهم من القصف.
على الرغم من ذلك، من غير الصحيح القول إن السوريين فرّوا من دون قتال. فقد قاوموا ببطولة لسنوات، وقدّموا العديد من الشهداء، كما قاتلوا ضد التهديدات التي شكلها تنظيم "الدولة" و"حزب العمال الكردستاني" (PKK).
لكن الأكثر إثارة في تصريحات أورتايلي هو تجاهله الكامل لحقيقة أنه وُلِدَ في مخيم لاجئين عام 1947. كانت عائلته قد فرت من شبه جزيرة القرم عندما اقترب الجيش الأحمر من الأراضي التي كانت تحتلها ألمانيا النازية، وانضمت إلى المهاجرين الذين نُقلوا إلى مخيمات مختلفة في ألمانيا. ثم انتقلوا إلى غراتس، ثم إلى إنسبروك، وأخيرًا إلى مخيم للاجئين في بغانز بألبيرشفيندي، حيث التقى والده كمال بوالدته شفيقة وتزوجا، وأنجبا أورتايلي هناك. وبعد الحرب، عندما عُرض على عائلته العودة إلى القرم، رفضت ذلك، ولجأت إلى تركيا كملاذ آمن.
أورتايلي، الذي جاء إلى تركيا كلاجئ قبل 75 عامًا، يقف الآن ضد اللاجئين. كان قد قال سابقًا إن "المشكلة في هذا البلد تكمن في أن الذين يأتون أولًا لا يستطيعون تحمل وجود من يأتون بعدهم". وحين يتم فتح ملف "ترك الوطن والهروب" في سوريا، يجب طرح السؤال عمن ترك سوريا أولًا وتركها للاحتلال البريطاني بدون قتال في عام 1918، بعد أن انسحب الجيش العثماني بسرعة وبشكل غير مبرر من الشام، تاركًا المنطقة بأكملها تحت رحمة المحتلين البريطانيين. القضايا التي تُدفن في التاريخ ستطفو على السطح في نهاية المطاف.
من المؤكد أن أورتايلي، كونه مؤرخًا، يعرف الكثير عن هذه الحقائق، لكنه، مثل الكثير من المؤرخين الآخرين، يفضل عدم التطرق إليها. لا شك أن أورتايلي يمتلك معرفة واسعة جدًا، لكن من الواضح أيضًا أنه يسيء استخدام هذه المعرفة والسلطة اللتين اكتسبهما بأسلوبه الخاص. لو كان يروي الحقائق بصدق وشجاعة، لكان قد قدم تفسيرًا مختلفًا تمامًا للتاريخ. لكنه لم يخاطر أبدًا، ولم يكشف عن الحقائق التي يعرفها، بل تابع الأجندات التي تخدم من يستضيفونه. لم يستخدم سلطته المستمدة من معرفته لإيقاظ هؤلاء الذين يخدمون أيديولوجياتهم الخاصة.
عائلة أورتايلي نفسها، رغم أن الفرصة أتيحت لها للعودة إلى وطنها، اختارت تركيا كملاذ آمن. ومع ذلك، فإن أورتايلي اليوم يطالب السوريين بالعودة إلى بلادهم، رغم أنها لا تزال غير آمنة، وهذا مثال مثاليٌّ على التناقض العميق الذي يعيشه معارضو اللاجئين في تركيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











