يوسف ألاباردا - أكشام - ترجمة وتحرير ترك برس

أحدثت الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال الأيام الماضية صدى واسعاً في العالم. وكان كثير من المحللين يتوقعون أن تفرض واشنطن ثقلها على طاولة المفاوضات، وأن تملي على بكين ما تريده. لكن ما كان متوقعاً لم يحدث.

فالصين لم تقل «نعم» بلطف لكل مطالب الولايات المتحدة في جميع المجالات.

لكن لماذا؟ من أين تستمد القيادة الصينية هذه الثقة الدبلوماسية، وهذا الارتياح اللافت؟

الجواب يكمن في السجل الاقتصادي والتكنولوجي للبلدين.

الانزلاق الجيوسياسي

الركيزة الأولى لارتياح الصين هي حالة التمدد الاستراتيجي المفرط التي تعيشها الولايات المتحدة عسكرياً ودبلوماسياً. فالولايات المتحدة تمر حالياً باختبار جدي في الشرق الأوسط، وخاصة في نقاط الاختناق الأكثر حساسية للطاقة والتجارة العالمية مثل مضيق هرمز. فنحن أمام صورة لولايات المتحدة تتعثر في هرمز، وتعجز عن جرّ فاعلين إقليميين مثل إيران إلى الخط الذي تريده، بل وتجد صعوبة حتى في تأمين سلامة السفن التجارية في البحر الأحمر.

وعندما يجلس الاستراتيجيون الصينيون إلى طاولة التفاوض، فإنهم يطرحون بكل حق السؤال التالي: «إذا كانت أمريكا عاجزة عن إخضاع إيران في الشرق الأوسط الذي تعتبره حديقتها الخلفية، أو في مضيق حيوي مثل هرمز، فكيف ستجبرنا على الركوع في أزمة تايوان بعد أن تقطع عشرات آلاف الكيلومترات عبر المحيط الهادئ؟»

إن الصين راضية جداً من الناحية الجيوسياسية عن استنزاف الولايات المتحدة لطاقتها، وقوتها البحرية، ورصيدها الدبلوماسي في مستنقع الشرق الأوسط، وهذا الوضع يمنح بكين مساحة حركة هائلة.

لغة الأرقام

لكن الارتياح الحقيقي للصين ينبع من المعطيات الاقتصادية والتكنولوجية التي تضعها على الطاولة. فالصين لم تعد مجرد مصنع العالم، بل أصبحت عملاقاً تكنولوجياً تجاوز الولايات المتحدة بالفعل في بنية الطاقة والنقل المستقبلية.

هيمنة السيارات الكهربائية (EV):

وفقاً لبيانات نهاية عام 2025، حققت الصين مبيعات بلغت 16.49 مليون سيارة كهربائية خلال عام واحد فقط، لتسيطر على 60% من السوق العالمية. وفي الفترة نفسها، لم تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة نحو 1.5 مليون سيارة.

استثمارات الطاقة النظيفة:

بحسب بيانات Atlas Public Policy، استثمرت الصين أكثر من 500 مليار دولار في مشاريع الطاقة النظيفة بين عامي 2019 و2025، محققة رقماً قياسياً، في حين بقيت استثمارات الولايات المتحدة عند مستوى 236 مليار دولار.

قوة الطاقة الشمسية والرياح:

مع نهاية عام 2025، وصلت القدرة الإجمالية للطاقة الشمسية في الصين إلى 1200 غيغاواط، بينما بلغت قدرة طاقة الرياح 640 غيغاواط. وشكّل عام 2025 نقطة تحول تاريخية في الصين، إذ تجاوزت القدرة المركبة الإجمالية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية، للمرة الأولى، القدرة الهائلة لمحطات الفحم. كما أن القدرة الجديدة للطاقة المتجددة التي أضافتها الصين خلال السنوات القليلة الماضية وحدها أصبحت تنافس الحجم الكامل لشبكة الكهرباء الأمريكية. وقد ساهم قطاع الطاقة النظيفة في الصين بمبلغ 2.1 تريليون دولار في اقتصاد البلاد خلال عام 2025.

وفي هذه الصورة، نرى تفوق الصين في كل شيء، من قدرات بناء السفن إلى إنتاج الصلب، ومن إنشاء محطات الطاقة النووية إلى استثمارات البنية التحتية للمدن. واليوم، عندما تجلس الصين إلى طاولة المفاوضات مع الوفد الأمريكي، فإنها ترى أمامها أمريكا تعتمد عليها في سلاسل التوريد التكنولوجية، ومنقسمة عسكرياً على جبهات متعددة حول العالم.

إن عدم خضوع الصين أو تقديمها تنازلات خلال زيارة الرئيس ترامب ليس عناداً أيديولوجياً، بل انعكاس لحقيقة رياضية.

فالصين مرتاحة جداً، لأنها أنشأت بالفعل البنية الاقتصادية للمستقبل على أراضيها، وتعلم أن الهيمنة العالمية لا تمر فقط عبر حاملات الطائرات، بل أيضاً عبر الإنتاج والتكنولوجيا المتقدمة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!