يحيى بُستان / 15.05.2026 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

هناك موضوعان قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه «لن ينساهما». الأول كان خبر تنفيذ عملية بحث وإنقاذ للطيار الثاني في الطائرة التي أُسقطت داخل إيران. وقد أثار ذلك غضب ترامب بشدة، لأن إيران علمت بوجود الطيار الثاني من خلال هذا الخبر، ما عرّض حياة الجندي المفقود للخطر. وقال: «سأجعلهم يدفعون الثمن». لكن الموضوع لم يُطرح مجددًا بعد ذلك، لأن التسريب كان مصدره وزارة الدفاع الإسرائيلية.

أما القضية الثانية التي لم يستطع ترامب إخراجها من ذهنه فهي «الأسلحة المرسلة إلى الجماعات الكردية الانفصالية». ففي مطلع شهر أبريل/نيسان قال: «أرسلنا كميات كبيرة من الأسلحة إلى المحتجين في إيران، لكن الأكراد لم يسلموها للمحتجين». وخلال الأيام الماضية أعاد التذكير بالموضوع مجددًا، وقال: «أشعر بخيبة أمل». فلماذا عاد هذا الملف إلى الواجهة؟ هل يبحث ترامب عن أكباش فداء لتحميلهم مسؤولية الفشل في إيران؟ أم أنه يستعد لـ«جس نبض» جديد داخل إيران عبر الجماعات الانفصالية؟ قبل ذلك، لنرسم إطارًا عامًا للمشهد…

ترامب قال: «استغلوا الفرصة»

كان بنيامين نتنياهو قد أقنع ترامب بالحرب بقوله: «الشعب سيسقط النظام خلال ثلاثة أيام». وفي هذا السياق، استثمروا في الجماعات الانفصالية داخل إيران. حتى إن الممثل الخاص لترامب، توماس باراك، ذهب إلى العراق قبل الحرب وشجّع هذه الجماعات (انظر: هذا لم يكن مناسبًا يا سعادة السفير، 3 مارس). وكان معروفًا أيضًا أن الرئيس الأمريكي ترامب اتصل شخصيًا ببعض الزعماء، وقال لهم: «استغلوا الفرصة».

وكان من المفترض أن تسير الخطة تقريبًا على النحو التالي… تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف الحرس الثوري الإيراني وقوات البسيج والمباني والمواقع التي يستخدمونها في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، وبذلك يُفتح الطريق أمام الجماعات الانفصالية… ثم تبدأ هذه الجماعات هجماتها مستخدمة الأسلحة التي جرى تزويدها بها مسبقًا… وبعد ذلك تتم السيطرة على بعض البلدات في غرب إيران (مثل أوشنويه وبيرانشهر)… ومع تأثير هذه الشرارة، يطيح الشعب الإيراني بالنظام…

بعض عناصر التنظيمات دخلوا إيران

تم تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة. فقد قصفت الولايات المتحدة/إسرائيل تلك المناطق تحديدًا وبكثافة شديدة. وفي هذه الأثناء، جرى تداول معلومات تفيد بتخزين أسلحة داخل أنفاق في إيران، وتوزيع أسلحة على الميليشيات في البلدات، وأن إسرائيل أنشأت شبكة مخبرين داخل إيران عبر الجماعات الانفصالية. لكن ما كانت تنتظره الولايات المتحدة وإسرائيل لم يحدث. ففي الأيام الأولى للحرب عبر نحو 350 عنصرًا من تنظيم «باك» الإرهابي من العراق إلى داخل إيران، إلا أن الأمر لم يتطور بعد ذلك. وعلى وجه الخصوص، بقي تنظيم «بيجاك» — الذراع الإيرانية لتنظيم PKK «بي كي كي»، والذي يُعد أكبر بنية داخل الجماعات الانفصالية (ويضم نحو ألفي شخص) — خارج هذا المسار.

وهناك عدة أسباب لذلك: أولها أن الجماعات الانفصالية لا تمتلك قوة مؤثرة أو يُعتد بها لتغيير النتائج (إذ تتراوح الأرقام بين بضع مئات وعدة آلاف). وثانيها قناعة كل من بارزاني وطالباني بأن إيران قد تتمكن بطريقة ما من الصمود. كما أن تصريحات طالباني — الذي يملك نفوذًا على الحدود الإيرانية العراقية — بقوله: «لن نكون رأس الحربة» لعبت دورًا كذلك. إضافة إلى أن إيران، بعد أن أدركت الخطر، بدأت تستهدف الجماعات الانفصالية بشكل مباشر. وبالطبع هناك أيضًا المتابعة اللصيقة التي مارستها أنقرة على الولايات المتحدة والفاعلين الإقليميين، إلى جانب مسار «تركيا خالية من الإرهاب» (وقد كتبنا سابقًا عن اللقاءات المكثفة التي أجراها رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن مع فاعلي المنطقة، والرسائل التي نُقلت خلالها. انظر: حدث شيء ما في كركوك، 24 أبريل).

الأسلحة في يد الجماعات الانفصالية

لكن هل أرسلت الولايات المتحدة وإسرائيل فعلًا أسلحة إلى الجماعات الانفصالية؟ وما نوع هذه الأسلحة؟ تقول الجماعات الانفصالية إنه لم تصلها أي أسلحة. كما تنفي إدارة بارزاني هذه الادعاءات. وكان رئيس وزراء حكومة الإقليم مسرور بارزاني قد زار أنقرة مؤخرًا. وفي الكواليس يجري التشديد بقوة على أن لا إدارة بارزاني ولا طالباني، ولا أي جهة أخرى، تلقت أسلحة. فهل يعني ذلك أن ترامب — أو من يزوّده بالمعلومات — يكذب؟

ليس تمامًا. لأن هناك بعض المعلومات الميدانية التي تتعارض مع نفي الأطراف الإقليمية بإصرار — وربما حتى من دون علمهم. إذ يُقال إن جهازي Mossad الموساد وCIA الـCIA قاما بتأمين أسلحة من التشيك (معظمها من نوع كلاشنيكوف)، وإن هذه الأسلحة سُلّمت إلى الجماعات الانفصالية، وحاولوا تهريبها إلى داخل إيران (مع الإشارة إلى أن السيطرة على المنطقة الحدودية الإيرانية العراقية بيد طالباني). لكن أين هي تلك الأسلحة التي يكرر ترامب الحديث عنها باستمرار؟ الجماعات الانفصالية تقول: «ليست عندنا». غير أن ثمة حديثًا آخر يدور في الكواليس: الأسلحة موزعة داخل إيران، لكن الجماعات الكردية لم تستخدمها، ولم تسلمها أيضًا إلى معارضي النظام، ولم تُعدها. لأنها — على الأرجح — تعتقد أنها قد تحتاج إليها يومًا ما.

ترامب يمارس الضغط في الواقع

لنضع إشارة هنا. لأن لهذا الملف بُعدًا يرتبط بشكل وثيق بمسار «تركيا خالية من الإرهاب». ففي المقابلة التي اتهم فيها القيادي في PKK «بي كي كي» مراد قره يلان أنقرة، وقال فيها: «تم تجميد العملية، هذا ما نراه»، شرح لماذا لا ينبغي لهم التخلي عن السلاح من دون ضمانات قانونية، فقال: «الشرق الأوسط يغلي. وضمانتنا هي أسلحتنا». وفي هذا التوقيت بالذات، تبدو مقابلة «الرئيسة المشتركة» لـ«بيجاك» بيمان فيان، التي نُشرت أمس، لافتة للاهتمام. فبينما تنفي فيان الادعاءات المتعلقة بتلقيهم أسلحة من الولايات المتحدة، تقول إن إيران تدخل مرحلة ستعلن فيها الشعوب مصيرها بنفسها.

والآن يمكننا أن نسأل: هل يعبّر ترامب عن استيائه عبر الإشارة إلى الجماعات الانفصالية فحسب، أم أنه يحاول عبر الضغط على هذه الجماعات إعادة إحياء تلك الفكرة التي خرجت من التداول؟ في ظل تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية، أشعر أن هذه التصريحات تفوح منها رائحة «جس النبض».

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس