
محمد يالتشين يلماز - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس
إن الأزمة في الشرق الأوسط، والحرب في أوكرانيا، والأزمة الاقتصادية العالمية ليست ملفات منفصلة عن بعضها البعض. فالصورة التي برزت خلال الأشهر الأخيرة تُظهر أن هذه الملفات الثلاثة تلتقي في مركز واحد: أسلوب الرئيس ترامب في اتخاذ القرارات.
سياسات ترامب لا تمثل مجرد توجه جديد، بل تُنتج أيضاً حالة من الانكسار والتصدع تضغط على النظام القائم. غير أن هذا الانكسار، بدلاً من أن يؤسس لنظام جديد، يزيد من زعزعة استقرار النظام الموجود.
وعندما ننظر إلى ما يجري في إيران ومضيق هرمز، فإننا نواجه هذه الصورة بوضوح.
كان ترامب يهدف إلى تحقيق نتائج سريعة من خلال مهاجمة إيران. وكانت الأهداف الأولية تتمثل في الحد من البرنامج النووي، وتغيير النظام، والسيطرة على مضيق هرمز. إلا أن التطورات الميدانية أظهرت أن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق بالكامل. فإيران لم تتراجع، ولم تُحل قضية هرمز، كما أن الحرب لم تُنتج النتيجة السياسية المتوقعة. لأن إيران لم تكن وحدها، بل كانت مستعدة لهذا الهجوم.
ولم يستسلم ترامب في سبيل صناعة رواية انتصار أمام الرأي العام الداخلي. بل على العكس، حاول إدارة الضغط والتفاوض في الوقت نفسه.
فمن جهة، يقول ترامب إنهم باتوا قريبين من التوصل إلى اتفاق مع إيران، ومن جهة أخرى يبقي تهديدات الهجوم الجديدة على جدول الأعمال. وفي الوقت نفسه، تستمر الهجمات الإسرائيلية في لبنان، وهذه الهجمات تضغط باستمرار على أرضية التفاوض.
ويُظهر هذا الوضع أن الولايات المتحدة لا تتحرك وفق استراتيجية واحدة، بل تحاول استخدام أدوات ضغط مختلفة في الوقت ذاته. غير أن هذا النهج لا يُنتج نتائج على الأرض، بل يجعل العملية أكثر تعقيداً.
وتتكرر صورة مشابهة في الملف الأوكراني. فقد كان ترامب قد وعد قبل الانتخابات بتحقيق السلام. وكانت الاستراتيجية المتبعة تجاه روسيا قائمة على نموذج يهدف إلى تحقيق نتائج سريعة. لكن مع استمرار الحرب، فقد هذا النموذج قابليته للاستدامة. بل إن النقاشات تدور اليوم حول أن أي وقف محتمل لإطلاق النار قد يُنتج هشاشة جديدة بدلاً من توفير أمن دائم.
والصورة التي برزت الآن لم تعد مرتبطة بالخصوم فقط.
فالاضطرابات التي تسببت بها سياسات ترامب لا تقتصر على خصومه وحدهم. إن الهزة التي يُحدثها ترامب من خلال تصريحاته المتواصلة لم تعد تُربك المنافسين فحسب، بل باتت تُربك الحلفاء أيضاً. فحالة انعدام الثقة داخل حلف الناتو، وتزايد المخاوف الأمنية الأوروبية، والمسافة الحذرة التي تتخذها دول الخليج، كلها تُظهر أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة حتى على حمل بنية التحالفات التي أنشأتها بنفسها.
وفي الجبهة الأوروبية، أصبحت هذه الأزمة في الثقة أكثر وضوحاً. فخلال الحرب الأوكرانية بدأ التشكيك في البنية الأمنية المعتمدة على الولايات المتحدة. أزمة الطاقة، وأعباء الدفاع، والسياسات الأمريكية غير الواضحة... كلها عوامل دفعت العواصم الأوروبية أولاً إلى التساؤل بشأن الناتو، ثم إلى إعادة طرح نقاشات «الاستقلالية الاستراتيجية». إلا أن هذه النقاشات لم تتحول بعد إلى تغيير ملموس، وما زالت في الوقت الراهن تمثل حالة بحث مكثفة. ولا نعلم ما إذا كان بالإمكان تأسيس البنية الأمنية الأوروبية عبر مشروع SAFE. كما أن قمة الناتو التي ستُعقد الشهر المقبل في أنقرة قد تثير أسئلة جديدة في هذا السياق. وسنرى معاً إلى أي مدى سيتعمق الشرخ بين الولايات المتحدة وحلف الناتو خلال عهد ترامب.
أما بالنسبة لدول الخليج، فالوضع أكثر براغماتية. فهذه الدول، التي تدرك تكلفة المواجهة المباشرة مع إيران، تتجنب الانخراط الكامل في سياسة الضغط التي ينتهجها ترامب. فهي من جهة تحافظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تحاول الحد من التوتر مع إيران. وهذا يُظهر أن المنطقة لم تعد تتموضع حول محور واحد كما كان الحال سابقاً.
وهذا التصدع يُشعر به أيضاً على المستوى العالمي. فبينما أصبحت الآليات الأساسية للنظام الاقتصادي الدولي أكثر عرضة للتدخلات السياسية، باتت حركة التجارة والطاقة تواجه مخاطر جيوسياسية متزايدة.
ولهذا السبب كانت زيارة ترامب إلى الصين مهمة للغاية. ففي الظروف الطبيعية، كان يُفترض أن تُنتج مثل هذه الزيارة نتائج سياسية قوية. إلا أن الصورة التي ظهرت كانت مختلفة. فالصين لم تقدم تنازلات، والولايات المتحدة لم تحصل على ما تريده، ولم تُحدث الزيارة تحولاً ملموساً. وهذا يُظهر أن قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بدور القوة المهيمنة والحاسمة لم تعد كما كانت.
أما توجه بوتين إلى بكين مباشرة بعد ذلك، فيُظهر كيفية عمل المحاور الدولية. ويتضح أن المحور الصيني-الروسي الذي حاولت الولايات المتحدة فصله منذ فترة طويلة لم ينكسر، بل أصبح أكثر وضوحاً. ومع تعمق التعاون بين الطرفين في مجالات الطاقة والتجارة والتمويل، يبدو أن هذين الفاعلين يسعيان إلى إيجاد توازن بديل داخل النظام العالمي.
والصورة التي تتكشف أمامنا هي التالية:
ترامب يهزّ النظام العالمي، لكنه لا يستطيع بناء نظام جديد.
فالضغط العسكري لا يحقق النتائج المرجوة.
والضغوط الاقتصادية تُنتج مزيداً من المقاومة.
أما الدبلوماسية فتبقى معلقة باستمرار.
واليوم لم تعد المسألة الأساسية هي ما الذي يريد ترامب فعله.
بل السؤال هو: هل ستُفضي هذه الاضطرابات الحالية إلى ولادة نظام جديد، أم أنها ستدفع النظام العالمي نحو مزيد من الهشاشة؟
أما الصورة التي نراها في الوقت الراهن، فتشير إلى أن النظام العالمي أصبح أكثر هشاشة، وأن هذه المسيرة ستؤدي إلى تعميق الأزمة أكثر فأكثر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










