
سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
في الوقت الذي أكتب فيه هذا المقال، لم يكن الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران قد وُقّع بعد. وليس هذا فحسب؛ فالمواد المتداولة التي يُدّعى أنها ستُدرج في الاتفاق لم تكن قد حُسمت أو اتخذت شكلها النهائي بعد. وعليه، أرجو من القارئ أن يقرأ ما يُكتب هنا في هذا الإطار.
إذا تم تضمين المواد المتداولة بالكامل في الاتفاق، فإن النتيجة الوحيدة التي يمكن استخلاصها من ذلك هي دلالة على انتصار إيران الحاسم.
ولنذهب أبعد من ذلك قليلًا: في هذه الحالة، لن يكون أمام إيران أي عائق لتعويض الضربة التي تلقتها في سوريا. وبصياغة عامية أكثر، يمكن القول إن عودة إيران ستكون “مهيبة”.
المسألة هي التالية: هذا الوضع سيُسجَّل أيضًا في التاريخ كأحد أكبر الهزائم التي واجهتها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام.
وعندها يصبح السؤال الأول الواجب طرحه هو مدى إمكانية قبول مثل هذا السيناريو.
هناك بنود مفتوحة وقابلة لتفسيرات واسعة ضمن الاتفاق. ومن جهة أخرى، فإن التصريحات الصادرة من إسرائيل، التي طُلب منها وقف الحرب في لبنان، تعكس خيبة أمل كبيرة.
وخلاصة الأمر أن مصير الاتفاق وشكله النهائي لا يزال غير معروف.
ولننطلق هنا افتراضًا من أن هذه البنود ستُقبل.
إن المكانة التي اكتسبتها إيران في الشرق الأوسط ستثير حماسة الأوساط المناهضة لإسرائيل، وستمنح دفعة معنوية كبيرة للكتل الشيعية، كما ستُشكّل كتلة كبرى في مواجهة التوسع الصهيوني الذي يزداد وحشية يومًا بعد يوم.
ومن اعتراض السياسيين الإسرائيليين المتشددين على الاتفاق يمكن فهم ذلك بوضوح.
وفي العديد من الأوساط والدوائر، يُقال إن الولايات المتحدة بدأت تتراجع وتترك إسرائيل وحدها.
ويستشهد البعض بالمكالمات الهاتفية التي يُقال إنها جرت بين ترامب ونتنياهو ووصلت إلى حدّ تبادل الشتائم، ليزعموا أن الروابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد انقطعت.
وبسبب غياب الحدود للتطرف، يذهب البعض أبعد من ذلك ليقول إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على البقاء في الشرق الأوسط وستنسحب منه، وأن ذلك سيخلق تشكّلًا جديدًا يمنح تركيا فرصًا كبيرة.
وهنا يجب إعادة صياغة السؤال قليلًا:
بما أن التبسيطات في السياسة الدولية تزيد من هامش الخطأ، فهل يمكن أن يكون كل شيء بهذه البساطة؟
نعم، من الواضح تمامًا أن الولايات المتحدة، بالشكل القديم المألوف، لن تتمكن من مواصلة وجودها في الشرق الأوسط.
وقد واجهت الولايات المتحدة في إيران ليس فقط مقاومة الدولة الإيرانية، بل أيضًا وجود روسيا والصين خلفها بشكل حازم.
وأود الإشارة إلى بعض النقاط التي تجعلني أرى أن هذه الحرب كانت اختبارًا بالنسبة للولايات المتحدة.
كانت الولايات المتحدة تدرك، عبر مواردها الخاصة، أن البنية التي أنشأتها في الشرق الأوسط لم تعد قابلة للاستمرار.
وقد قدمت هذه الحرب لها دليلًا تجريبيًا على ذلك بشكل مأساوي.
لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن الساحة عالميًا.
فهي، من جهة، باتت تدرك أنها لا تستطيع وحدها تحمل صراع يمتد من الخليج وشرق المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين وآسيا الوسطى، ومن جهة أخرى يشمل المحيط الهادئ.
وباتت الحاجة إلى إعادة تشكيل البنى القائمة وإعادة النظر فيها أمرًا ثابتًا.
وهذا يتطلب أيضًا إعادة تنظيم نظام التمويل وتدفقات الأموال.
وهذا هو بالضبط محور قمة الناتو التي ستُعقد في بلدنا.
ومع ذلك، ينبغي الإقرار مؤقتًا بأن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط أبدًا.
وتفسير أي إعادة تشكيل محتملة في المنطقة على أنها انسحاب أمريكي سيكون سذاجة كبيرة.
لم يتمكن ترامب من إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية التي دعمتها إنجلترا وألمانيا وبولندا وعدد من دول البلطيق الصغيرة.
وأعتقد أنه تم التوصل هنا إلى تحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا بعد خلافات طويلة.
وأرى أن ناتو جديدًا يتم تشكيله، يتمحور حول أوروبا مع دعم خارجي من الولايات المتحدة.
وسيكون هذا الناتو الجديد منسجمًا إلى حد كبير مع الاتحاد الأوروبي الذي يتجه نحو العسكرة.
وتشير قرارات جذب دول البلقان بسرعة نحو الولايات المتحدة إلى هذا الاتجاه.
وهذا يعني أيضًا أن ناتو البلقان قيد التشكيل.
وخلاصة القول إن الناتو يتجه ليكون أكثر أوروبية من أي وقت مضى.
وترغب الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي في توسيع هذا التنسيق نحو القوقاز وبحر قزوين، ليأخذ طابعًا معاديًا لروسيا والصين باتجاه آسيا الوسطى.
أما في الشرق الأوسط، فهناك قرار بتشكيل بنية مشابهة للناتو وإن لم تحمل الاسم نفسه.
إن حالة الذعر في الخليج، وتلاشي الأمل في المظلة الأمريكية، يشكلان أرضية نفسية لهذا “الناتو الشرق أوسطي”.
وفي هذا الإطار، ستكون تركيا وباكستان، وإذا أمكن مصر، جزءًا من هذا التحالف الذي سيكون بمثابة درع جديد للخليج.
كما ستنضم الأردن وسوريا وبعض الجماعات الكردية إلى هذا التحالف.
وإذا تم تأسيس هذا الناتو الشرق أوسطي، فلن يكون هدفه، كما يظن البعض، إسرائيل، بل إيران مباشرة.
وهذا سيستند إلى صراع طائفي سني-شيعي ذو جذور عميقة.
وسيكون من المفيد فهم تحركات ترامب، وعلاقة “السيد” و“عاصم منير”، ومهمة باراك في هذا السياق.
ومن منظور المصالح الإسرائيلية، فإن هذا السيناريو يُعد فرصة مثالية لها.
فهي ستواصل توسيع نطاقها في بلاد الشام بسهولة أكبر، وستربط خط توسعها الممتد إلى جنوب قبرص الرومية واليونان وألبانيا بالناتو الأوروبي.
أما مسألة الموارد بين الناتو الأوروبي وناتو الشرق الأوسط، فمن المتوقع أن يتم تمويلها مباشرة عبر رؤوس الأموال الخليجية.
ويمكن فهم نشاط زيلينسكي المفاجئ في الشرق الأوسط ضمن هذا السيناريو.
ويجب متابعة الكلفة التي ستتحملها تركيا في هذه السيناريوهات بعناية شديدة.
لأن هذه الديناميكيات إذا تحققت، فقد تجد تركيا نفسها بلا “الوطن الأزرق” ولا “اتحاد الدول التركية”.
وقد يصبح فقدان ما في اليد أثناء محاولة الوصول إلى “دمياط” أمرًا محتملًا جدًا.
وأتمنى أن تتمكن تقاليد الدولة التركية العميقة من مقاومة هذه التطورات وإظهار ثقلها.
إن هذه التحليلات هي بالكامل مبنية على مصادر مفتوحة، وهي مجرد قراءة تحليلية على الطاولة.
ولا يمكن الجزم بأنها ستحدث حتمًا.
لكن على الأقل، أردت تسجيلها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













