
ترك برس
تناول تحليل نشره موقع "فوكس بلس" التركي مساعي أنقرة وبغداد لإعادة صياغة اتفاقية خط أنابيب النفط العراقي–التركي، في خطوة لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى شراكة أوسع في الطاقة والتجارة والنقل، قد تعيد رسم خريطة الربط بين الخليج وأوروبا.
وأفاد المقال التحليلي بأنه مع اقتراب انتهاء اتفاقية خط أنابيب النفط العراقي–التركي، التي شكّلت طوال أكثر من نصف قرن أحد أهم أطر التعاون الاقتصادي بين أنقرة وبغداد، تتجه تركيا والعراق إلى إعادة صياغة العلاقة النفطية بينهما ضمن رؤية أوسع تتجاوز ملف تصدير النفط الخام، لتشمل الطاقة والتجارة والنقل والبنية التحتية، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية الممرات البرية وخطوط الإمداد العابرة للحدود. وفيما يلي تتمة المقال التحليلي:
فالاتفاقية التي وُقّعت عام 1973 ودخلت حيز التنفيذ عام 1975، لم تعد، بحسب القراءة التركية والعراقية، قادرة على مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها قطاع الطاقة خلال العقود الخمسة الماضية. كما أن التوترات القانونية والسياسية والاقتصادية التي رافقت تشغيل الخط في السنوات الأخيرة جعلت البحث عن إطار جديد أكثر استقرارًا ومرونة أمرًا لا مفر منه.
وبينما يبدو الملف في ظاهره متعلقًا بإعادة تنظيم نقل النفط عبر خط كركوك–جيهان، فإن جوهر المفاوضات الجارية يشير إلى مسار أعمق؛ إذ تسعى أنقرة وبغداد إلى بناء نموذج تكاملي يربط موارد الطاقة العراقية بالأسواق العالمية عبر الأراضي التركية، ويجعل من العراق وتركيا حلقة مركزية في ممر استراتيجي يمتد من الخليج إلى أوروبا.
تحرك عراقي نحو اتفاق جديد
في 7 حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة النفط العراقية تشكيل فريق متخصص لإعداد مسودة اتفاق نفطي جديد مع تركيا والتفاوض بشأنه، وذلك قبل انتهاء صلاحية الاتفاقية الحالية. وأكد المتحدث باسم الوزارة، سليم فرهود الركابي، أن بغداد وأنقرة تواصلان جولات التفاوض من أجل إعداد مسودة مشتركة، مع توقع عقد اجتماعات جديدة خلال الفترة المقبلة.
وكانت المفاوضات قد اكتسبت زخمًا إضافيًا بعد قرار تركي نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 تموز/يوليو 2025، نصّ على إنهاء العمل باتفاقية خط أنابيب النفط العراقي–التركي وجميع البروتوكولات والملاحق المرتبطة بها اعتبارًا من 27 تموز/يوليو 2026.
وبحسب مصادر عراقية وتركية، فإن الهدف الأساسي من الاتفاق الجديد هو إنشاء إطار قانوني حديث يتلاءم مع التغيرات التي شهدها قطاع الطاقة خلال نصف قرن، ويضمن استقرار التدفقات النفطية، ويعالج الثغرات التي أفرزتها التجربة السابقة.
ويرى خبير العلاقات الدولية الدكتور فاتح أوغوزهان إيبك أن تشكيل العراق فريقًا مختصًا لصياغة اتفاق جديد لا يمثل خطوة بيروقراطية فحسب، بل يعكس تحولًا في طريقة نظر بغداد وأنقرة إلى ملف الطاقة. فالقضية لم تعد مجرد مسألة تقنية مرتبطة بأنابيب النفط، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا في العلاقات الثنائية بين البلدين.
ويشير إيبك إلى أن الإطار القائم لم يعد قابلًا للاستمرار بسبب الإشكالات القانونية والخسائر الاقتصادية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل الاتفاق الجديد ضرورة سياسية واقتصادية في آن واحد.
رؤية أنقرة للطاقة
تتعامل تركيا مع الاتفاق الجديد باعتباره فرصة لإعادة بناء التعاون في قطاع الطاقة، لا مجرد تمديد لاتفاقية قديمة. فقد أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، في تموز/يوليو 2025، أن بلاده قدمت للعراق مسودة اتفاق جديد تتضمن آلية تتيح استخدام خط الأنابيب الرابط بين البلدين بكامل طاقته.
وأوضح بيرقدار أن الطاقة الاستيعابية للخط تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، غير أن هذه القدرة لم تُستخدم بالكامل في أي مرحلة سابقة. وترى أنقرة أن الاستثمارات وأعمال الصيانة التي نفذتها في البنية التحتية للخط تؤهلها للاستفادة القصوى من طاقته التشغيلية.
ولا تقتصر الرؤية التركية على نقل نفط شمال العراق فقط، إذ تدفع أنقرة باتجاه إدماج نفط جنوب العراق في المنظومة ذاتها، بما يرفع حجم الصادرات عبر ميناء جيهان ويمنح بغداد منفذًا أكثر استقرارًا إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يرى إيبك أن المقترحات التركية لا تقتصر على نقل النفط الخام، بل تشمل أيضًا مجالات الغاز الطبيعي والبتروكيميائيات والكهرباء، في إطار نموذج أوسع للتعاون الطاقي. وهذا ينسجم مع استراتيجية تركية تنظر إلى الطاقة باعتبارها منظومة متكاملة تبدأ من الإنتاج، وتمر بالنقل، وتنتهي بالتجارة والأسواق.
كما ترى تركيا في الاتفاق الجديد فرصة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين مصادر الطاقة في الشرق وأسواق الاستهلاك في أوروبا.
الأرقام تكشف أهمية الخط
تعكس بيانات التصدير أهمية خط جيهان في الحسابات العراقية والتركية على حد سواء. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، صاحب بزون، في 7 حزيران/يونيو 2026، أن صادرات النفط عبر جيهان تبلغ حاليًا نحو 200 ألف برميل يوميًا، مع إمكانية رفعها إلى 600 ألف برميل يوميًا في حال اقتراب خط كركوك–جيهان من العمل بطاقته الكاملة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية مضاعفة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن العراق يحتاج إلى منافذ تصدير مستقرة ومتعددة، في حين تسعى تركيا إلى تعظيم عائداتها من العبور والتجارة والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة.
مكاسب استراتيجية للطرفين
بالنسبة إلى تركيا، يشكل الاتفاق الجديد خطوة مهمة في مسار ترسيخ موقعها كنقطة عبور رئيسية بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك. أما بالنسبة إلى العراق، فهو يوفر فرصة لتثبيت صادراته النفطية، وجذب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة، وتخفيف الاعتماد على مسارات تصدير محدودة.
وكان السفير التركي في بغداد، أنيل بورا إينان، قد صرح في 13 أيار/مايو 2026 بأن المحادثات مع العراق مستمرة، معربًا عن أمله في التوصل إلى اتفاق شامل لا يقتصر على استخدام خط جيهان، بل يشمل مجالات أخرى في قطاع الطاقة.
وأشار السفير إلى أن استئناف تدفق النفط عبر خط جيهان في أيلول/سبتمبر 2025 أظهر أهمية الخط للعلاقات الثنائية ولأمن الطاقة الإقليمي. كما أكد أن أنقرة منفتحة على تطوير طرق تصدير جديدة للنفط العراقي، وعلى التعاون في مشاريع تعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
مشروع طريق التنمية: ما بعد النفط
يتقاطع هذا التوجه مع مشروع "طريق التنمية" الذي تعمل عليه تركيا والعراق وشركاء إقليميون، باعتباره أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في المنطقة. فقد أعلن وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، في 13 حزيران/يونيو 2026، بدء مباحثات مع الحكومة العراقية بشأن المشروع.
وأكد أورال أوغلو أن طريق التنمية لن يقتصر على السكك الحديدية والطرق السريعة، بل سيشمل أيضًا خطوط الطاقة والاتصالات، ما يعني أن المشروع مرشح للتحول إلى ممر اقتصادي شامل يربط الخليج بتركيا ومنها إلى أوروبا.
وبهذا المعنى، لا يمكن فصل اتفاق النفط الجديد عن الرؤية الأوسع لطريق التنمية. فكلاهما يعكسان محاولة لإعادة رسم خريطة الاتصال الاقتصادي في المنطقة، وربط العراق وتركيا بشبكة نقل وطاقة وتجارة عابرة للحدود.
تحديات داخلية عراقية
رغم الفرص الكبيرة التي يتيحها الاتفاق الجديد، فإن نجاحه سيظل مرتبطًا بقدرة العراق على معالجة خلافاته الداخلية، ولا سيما بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق. فهذه الخلافات كانت خلال السنوات الماضية أحد أبرز العوامل التي أثرت في انتظام صادرات النفط عبر تركيا.
ويرى إيبك أن تجاوز هذه الإشكالات يمثل شرطًا أساسيًا لإبرام اتفاق طويل الأمد ومستقر. فبدون توافق داخلي عراقي حول إدارة الموارد النفطية وآليات التصدير، ستبقى أي صيغة جديدة معرضة للاهتزاز.
ويتفق خبراء عراقيون مع هذا الطرح، معتبرين أن الاتفاق المرتقب مع أنقرة يمكن أن يشكل خطوة استراتيجية لأمن الطاقة الإقليمي، لكنه يحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية مستقرة. كما أن اتفاقًا واضحًا ومستدامًا من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويساعد بغداد على التخطيط المالي والاستثماري بصورة أكثر دقة.
خلاصة
في المحصلة، لا يبدو الاتفاق النفطي الجديد بين العراق وتركيا مجرد ترتيب فني لتنظيم مرور النفط عبر خط أنابيب قائم، بل يمثل جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين البلدين على أساس التكامل الاستراتيجي.
فالعراق يسعى إلى تأمين صادراته وتنويع منافذه وجذب الاستثمارات، فيما تعمل تركيا على تعزيز دورها كممر رئيسي للطاقة والتجارة بين الشرق والغرب. وبين هذين الهدفين، يبرز خط كركوك–جيهان ومشروع طريق التنمية بوصفهما ركيزتين محتملتين لممر إقليمي يمتد من الخليج إلى أوروبا.
لذلك، فإن المفاوضات الجارية بين أنقرة وبغداد ستكون اختبارًا مهمًا لقدرة البلدين على تحويل المصالح الاقتصادية المشتركة إلى شراكة استراتيجية مستدامة، في منطقة تتغير فيها موازين الطاقة والتجارة بسرعة متزايدة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











