حسين جانر أكورت - إندبندنت تركية -  ترجمة وتحرير ترك برس

هناك مراحل في تاريخ البشرية لا تؤدي فقط إلى ظهور أدوات جديدة، بل تُحدث تحولًا في الطريقة التي يدرك بها الإنسان ذاته والعالم من حوله. فاكتشاف النار، وظهور الكتابة، وانتشار الطباعة، والثورة الصناعية، والتحول الرقمي؛ جميعها شكلت نقاط تحول غيّرت ليس فقط أسلوب حياة البشرية، بل أيضًا طريقة تفكيرها.

واليوم، يقف العالم على أعتاب عصر الذكاء الاصطناعي، ويعيش تحولًا مماثلًا. غير أن ما يتغير هذه المرة لا يقتصر على الأدوات التي نستخدمها، بل يتغير أيضًا شكل العلاقة التي يقيمها الإنسان مع المعرفة، وعمليات اتخاذ القرار، بل وحتى مع عقله نفسه. إذ إن الإنسان، وللمرة الأولى، ينتج أنظمة معقدة قادرة على محاكاة نشاطه الفكري.

وهذا الواقع يطرح سؤالًا يختلف عن الأسئلة التي صاحبت التحولات التكنولوجية السابقة:

أي عالم سيبنيه الإنسان وهو يبتكر أنظمة تشبه ذكاءه؟

في الحقيقة، ليست القضية الأساسية هي إلى أي مدى سيتطور الذكاء الاصطناعي، بل بأي منظومة قيم ستوجه البشرية هذا التطور. فالحضارات عبر التاريخ لم تُبنَ بالمعرفة والقوة وحدهما، وإنما قامت على القيم التي تمنح المعرفة معناها، وعلى الأخلاق التي تضع حدودًا للقوة، وعلى فهم للحكمة يجعل الإنسان محورًا لها.

واليوم، يقدم لنا الذكاء الاصطناعي إمكانات تكاد تكون بلا حدود. فمن علاج الأمراض إلى الاكتشافات العلمية، ومن التعليم إلى الإنتاج، تنفتح أمامنا فرص غير مسبوقة. لكن، وكما هو الحال مع كل فرصة عظيمة، فإن هذا التحول الجذري يدفعنا إلى التساؤل:

هل سيتمكن الإنسان، وهو يبني أنظمة أكثر ذكاءً وأضخم قدرة، من بناء حضارة أكثر حكمة؟

إن مستوى الحضارة لا تحدده التقنيات التي تنتجها، بل تحدده الوجهة التي تقود إليها تلك التقنيات الإنسان. فقد يكون المجتمع أسرع وأكثر قوة، لكن إذا فقد إحساسه بالمعنى، ورحمته، وضميره، فإن كل ما يمتلكه من إمكانات قد لا يدفع البشرية إلى الأمام.

وأكبر اختبار يواجه عصر الذكاء الاصطناعي يتمثل في ما إذا كان الإنسان سيتمكن من الحفاظ على القيم التي تجعله إنسانًا حقًا، وهو يبتكر ويطور آلات تشبهه. فحضارة المستقبل لن تُبنى بالذكاء الاصطناعي وحده، وإنما ستُبنى بما يدافع عنه الإنسان في مواجهة الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا العصر الجديد، لا تطور البشرية مجرد تقنيات وأدوات تخدمها فحسب، بل إنها، ولأول مرة، تنتج أنظمة وبرمجيات تحاكي طريقة تفكير الإنسان، وقادرة على التعلم، وإجراء التحليل، والمشاركة في عمليات اتخاذ القرار. ولذلك، فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي ليس نقاشًا تقنيًا فحسب.

بل هو أيضًا نقاش ذو أبعاد فلسفية وأخلاقية وحضارية. فلم تعد القضية مقتصرة على سؤال: «هل صنعنا آلة جديدة؟». وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف سيغير الإنسان فهمه لذاته، وهو يبني أنظمة تشبه نشاطه الذهني؟

وربما يكون الأثر الأكبر للذكاء الاصطناعي على البشرية ليس فيما ينجزه من أعمال، بل في كونه سيدفع الإنسان إلى إعادة مساءلة نفسه. فالإنسان ظل على مدى قرون يتأمل ويتساءل عما يميزه عن سائر الكائنات الحية.

هل هو العقل؟ أم اللغة؟ أم الخيال؟ أم الإبداع؟ أم القدرة على الحكم الأخلاقي؟ أم العدالة؟ أم الضمير؟ أم الرحمة؟

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ستعود جميع هذه الأسئلة لتفرض نفسها مجددًا وبصورة ملحة على الإنسان والمجتمع. فالبشرية ستجد نفسها في مجالات كثيرة كانت تعتقد سابقًا أنها حكر عليها، في مواجهة أنظمة هي نفسها التي أوجدتها.

قد يكتب الذكاء الاصطناعي الشعر، ويؤلف الموسيقى، وقد يضع أحد الخوارزميات تشخيصًا طبيًا، أو يعد نصوصًا قانونية، أو يكتب مقالًا أكاديميًا؛ لكن هل يمكن لنظام قادر على القيام بكل ذلك أن يدرك معنى ما يفعله؟ وهل يستطيع أن يشعر؟

وهنا بالتحديد يبدأ النقاش الحضاري. فالحضارة ليست مجرد قدرة على الإنتاج، وإنما هي الغاية التي يُستخدم من أجلها ما يُنتج، والقيم التي ترافق هذا الاستخدام.

فلنتخيل مجتمعًا أو دولة تمتلك منظومة تكنولوجية فائقة القوة في جميع المجالات، وقادرة على التواصل بسرعة كبيرة، والوصول الفوري إلى كميات هائلة من المعلومات، وعلاج الأمراض، وزيادة قدرتها الإنتاجية إلى الحد الذي تريده.

لكن إذا كانت هذه القوة نفسها تفقد الرحمة، والإحساس بالعدالة، والسعي إلى المعنى، فهل يمكن اعتبار ذلك تقدمًا حقيقيًا؟

وهنا قد تتجلى أكبر مغالطات عصر الذكاء الاصطناعي. فقد تخلط البشرية، وسط تناقضات معقدة، بين القدرة التكنولوجية والابتكار من جهة، ومستوى الحضارة من جهة أخرى. غير أن التاريخ أثبت لنا أن القوة والتمكن ليسا الشيء نفسه الذي تمثله الرقي والكمال.

إن النقطة الجوهرية تتمثل في الكيفية التي ستستجيب بها البشرية لكل هذه التطورات. فقد يزودنا الذكاء الاصطناعي بمعلومات أكثر مما نتوقع، ويتخذ قرارات أسرع، ويستجيب فورًا لأوامرنا ويقدم ردودًا سريعة، ويحل مشكلات معقدة.

لكن الأسئلة الأساسية للبشرية ما تزال قائمة: ما الخير؟ وما الصواب؟ وما العدالة؟ وما الذي يجعل الإنسانية ذات قيمة؟ وعلى أي قيم ينبغي أن يقوم المجتمع؟ هذه الأسئلة الجوهرية لا يمكن الإجابة عنها بقوة الحساب التي تمتلكها الخوارزميات. والسبب في ذلك أن الحضارة ليست نتاج العقل المجرد، بل ثمرة الاتجاه الذي يتوجه إليه هذا العقل. فالمعرفة وحدها لم تكن يومًا كافية لبناء حضارة. نعم، المعرفة قوة، لكن الذي يحدد الاتجاه الذي ستُستخدم فيه هذه القوة ليس المعرفة وحدها. فهناك عنصر حيوي آخر لا غنى عنه، هو: الحكمة.

فالحكمة ليست مجرد المعرفة، وإنما هي إدراك متى وكيف ولأي غاية ينبغي استخدام هذه المعرفة. قد يعرف الإنسان الكثير، لكن الغاية التي يستخدم من أجلها ما يعرفه هي التي تحدد حقيقته. وقد يمتلك مجتمع ما تقنيات هائلة، لكن المهم هو إلى أي اتجاه تقود هذه التقنيات البشرية. فهذا هو ما يكشف مستوى حضارة ذلك المجتمع.

ولهذا السبب، يمكن أن نجد عبر التاريخ مجتمعات امتلكت رصيدًا معرفيًا ضخمًا، لكنها كانت أيضًا سببًا في دمار واسع. فإذا انفصل الذكاء عن الحكمة، أو بعبارة أخرى إذا أُجبرت الحكمة على الهجرة القسرية، فقد تمتلك البشرية تكنولوجيا متقدمة، لكنها لن تتمكن أبدًا من بناء عالم ذي معنى. فالحكمة تعني أن يعترف الإنسان بحدوده، وأن يستخدم القوة التي يمتلكها بمسؤولية وفي موضعها الصحيح. وهي لا تقتصر على طرح سؤال: «هل نستطيع أن نفعل ذلك؟»، بل تطرح أيضًا سؤال: «هل ينبغي لنا أن نفعل ذلك؟»

وفي تقديري، فإن حضارة المستقبل الحقيقية لن تكون مجرد حضارة تبني أنظمة أكثر ذكاءً. فالحضارة المتقدمة بحق ستكون تلك التي تجمع الذكاء بالحكمة، والمعرفة بالمعنى، والقوة بالمسؤولية، والتكنولوجيا بالإنسانية الحقيقية؛ حضارة لا يتفوق فيها من يمتلك معرفة أكثر، بل من ينجح في إضفاء معنى وجودي على معرفته. لأن ما سيحدد مستقبل البشرية ليس مدى ذكاء الآلات، وإنما مدى حكمة الإنسان في استخدام العقل الذي بين يديه.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!