
م. يالتشين يلماز - ستار - ترجمة و تحرير ترك برس
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ازداد اهتمام حلف شمال الأطلسي بشرق أوروبا ودول البلطيق والبحر الأسود. وقد أدى انضمام بلغاريا ورومانيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 2004، وإلى الاتحاد الأوروبي عام 2007، إلى جانب سياسات التوسع الموجهة نحو أوكرانيا وجورجيا، إلى زعزعة الأرضية الجيوسياسية في البحر الأسود. كما جعل تدخل روسيا في جورجيا عام 2008، وفي شبه جزيرة القرم عام 2014، وفي أوكرانيا عام 2022، البحر الأسود أحد مراكز الصراع العالمي على النفوذ.
في عامها الخامس، لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية مستمرة على الجبهة. وتحاول روسيا التقدم، بينما تبدي أوكرانيا مقاومة وتشن هجمات بأساليب غير متماثلة. لكن الحرب، بدلاً من أن تنتهي، تنشر مخاطر أخرى في المنطقة بصورة متزايدة.
لقد تجاوزت الحرب حدود البلدين المتعاديين. وأصبحت الموانئ ومنشآت الطاقة والمصافي ومستودعات الذخيرة والسفن التجارية جزءاً مباشراً من الحرب.
تستهدف روسيا البنية التحتية للطاقة والموانئ في أوكرانيا. بينما تحاول أوكرانيا نقل كلفة الحرب إلى عمق الأراضي الروسية. وتوجد مصافي النفط ومنشآت الإنتاج العسكري والمراكز اللوجستية وموانئ البحر الأسود ضمن الأهداف.
يتسع خط الجبهة في الحرب. ومن أبرز مجالات هذا التوسع البحر الأسود. وفي الآونة الأخيرة، أدت الهجمات التي تعرضت لها السفن التركية إلى زيادة اعتراض أنقرة. لأن التجارة في البحر الأسود مهمة جداً بالنسبة إلى تركيا. كما أن حجم التجارة المتزايد مع الدول المطلة على البحر الأسود لا يمكن الاستهانة به على الإطلاق.
ليس من قبيل المصادفة أن يبرز البحر الأسود خلال لقاء الرئيس أردوغان وبوتين. فتركيا من جهة تدافع عن وحدة أراضي أوكرانيا، ومن جهة أخرى تواصل علاقاتها مع روسيا. لكن هناك مسألة أصبحت أكثر أهمية بالنسبة إلى أنقرة الآن: تحول البحر الأسود بصورة خارجة عن السيطرة إلى ساحة حرب.
المسألة المطروحة أمام تركيا لا تتمثل في إقامة طاولة مفاوضات جديدة بين روسيا وأوكرانيا بقدر ما تتمثل في إنشاء نظام قادر على إبقاء سلامة الملاحة والسفن التجارية والبنية التحتية للطاقة وتدفق الحبوب خارج الحرب.
وثمة جانب آخر للحرب يظهر في أوروبا. ففي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة تقليل أعبائها المباشرة، تتولى بريطانيا وفرنسا وألمانيا دوراً أكبر في بناء القدرات العسكرية لأوكرانيا. وإطالة أمد الحروب تمثل فرصة لصناعة الأسلحة. فهناك حاجة إلى استخدام المنتجات في الميدان وإلى التغذية الراجعة من أجل تطوير التكنولوجيا. وفي الوقت الراهن، إلى جانب الدعم الاستخباراتي والتدريب العسكري، يجري أيضاً نقل تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والبنية التحتية للإنتاج إلى أوكرانيا.
وهذا الوضع يؤدي أيضاً إلى تشدد موقف موسكو. إذ تؤكد روسيا باستمرار أن الدول الغربية أصبحت طرفاً فعلياً في الحرب. وتُعد التصريحات الأخيرة شديدة اللهجة الموجهة ضد بريطانيا مؤشراً على ذلك.
لا يبدو أن روسيا ستهاجم دول حلف شمال الأطلسي بشكل مباشر. ولذلك فإن الأساليب الهجينة تبدو أكثر احتمالاً من وجهة نظر موسكو. وقد تبرز بصورة أكبر الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والعمليات السرية الموجهة ضد البنية التحتية والضغوط على التجارة البحرية.
أي أن الحرب تطول، لكنها تتوسع بتقنيات وأساليب جديدة. ولهذا يُنظر إلى الهجمات على السفن التركية في البحر الأسود على أنها هجمات تكتيكية تهدف إلى تغيير موقف أنقرة الحالي. ويُظهر الوضع الراهن أن أنقرة ستتحمل مسؤولية أكبر في أمن البحر الأسود.
كما أن التوتر بين بريطانيا وروسيا يتجاوز حدود التصعيد الدبلوماسي. فكلما واجهت الحرب الروسية الأوكرانية صعوبة في تحقيق نتائج على الجبهة، تتوزع كلفة الحرب على جغرافيا أوسع. ويصبح البحر الأسود أيضاً أحد مراكز هذا الصراع الجديد.
ليس أمام أنقرة سوى خيار واحد: قد لا يكون من الممكن اليوم إقامة طاولة للسلام. لكن لا يزال من الممكن إبقاء البحر الأسود خارج الحرب.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











