
ترك برس
في أقصى شرق تركيا، حيث تتجاور الجبال والبحيرات والوديان مع المدن والبلدات التي تحمل آثار حضارات متعاقبة، تبرز وجهات سياحية تمنح زوارها فرصة لاكتشاف جانب أكثر هدوءا وأصالة من البلاد. وبين شواهد الحضارة السلجوقية، وبيوت العهد العثماني، والأنهار والشلالات والأودية العميقة، تقدم أهلات وأوزوندَره وأرابغير وكماليه نماذج مميزة للسياحة المستدامة والحياة المحلية بعيدا عن صخب المدن الكبرى.
وتجمع هذه البلدات، التي تندرج ضمن شبكة "المدن البطيئة" (Cittaslow)، بين المحافظة على التراث الطبيعي والثقافي وبين توفير تجربة سياحية تقوم على الهدوء والتعرف إلى خصوصية المكان، بدءا من شواهد القبور السلجوقية في أهلات، مرورا بشلالات أوزوندَره ومساكن أرابغير التاريخية، وصولا إلى أخدود "كَرَنلِك كَنيون" والمناظر الطبيعية الخلابة في كماليه.
أهلات.. مدينة شواهد القبور السلجوقية
على الضفة الشمالية الغربية لبحيرة وان، تقع أهلات التابعة لولاية بتليس، وهي بلدة تاريخية ارتبط اسمها بمرحلة مهمة من تاريخ الأتراك في الأناضول. ويستقبل المكان زواره بمشهد لافت لشواهد قبور حجرية ضخمة تعود في جانب كبير منها إلى العصر السلجوقي، لتشكل واحدة من أبرز سمات البلدة التاريخية.
واكتسبت أهلات أهميتها عبر موقعها الجغرافي الذي جعل منها جسرا بين حضارات الشرق والغرب، كما لعبت دورا في طرق الهجرة التي سلكها الأتراك من آسيا الوسطى باتجاه الأناضول. وساعدها موقعها على طرق التجارة، ومناخها المعتدل نسبيا مقارنة بأجزاء أخرى من شرق الأناضول، إلى جانب خصوبة أراضيها ووفرة المياه ومواد البناء المحلية، على الحفاظ على مكانتها عبر قرون طويلة.
ومن أبرز معالمها ضريح أوستا شاغيرت (أولو كومبيت)، وهو مدفن متعدد الأضلاع يعود إلى القرن الثالث عشر، ويعد من أكبر الأضرحة السلجوقية في المنطقة.
وبالقرب منه تمتد مقبرة سلجوقية واسعة، تضم شواهد حجرية شاهقة مصنوعة من الحجر البركاني، تزينها زخارف هندسية معقدة وشرائط تحمل كتابات بالخط الكوفي. وقد تركت عوامل الطبيعة، من زلازل ورياح ومياه، بصمتها على هذه الشواهد عبر القرون، فيما يضيف جبل نمرود في الخلفية مشهدا طبيعيا مميزا للموقع.
وفي الجهة الشمالية الشرقية من المقبرة يقع ضريح ومسجد بايندير، الذي يعود إلى عام 1477، ويتميز بتصميمه غير المعتاد ورواقه ذي الأعمدة ومحرابه الذي يشير إلى اتجاه القبلة. كما يمكن للزائر مشاهدة الضريحين التوأمين وقلعة أهلات الساحلية التي أمر السلطان العثماني سليمان القانوني ببنائها.
أوزوندَره.. شلالات وطبيعة خضراء عند بوابة الشرق
على الحدود الجغرافية بين منطقتي البحر الأسود وشرق الأناضول، تقع أوزوندَره التابعة لولاية أرضروم، وهي بلدة هادئة تجمع بين آثار حضارات متعددة وطبيعة غنية تجعلها وجهة مناسبة للراغبين في الاسترخاء واستكشاف المناطق الريفية.
وتتميز المنطقة بظروف مناخية تختلف عن الصورة النمطية لشرق الأناضول، إذ تظهر فيها بعض خصائص مناخ البحر المتوسط، مع صيف حار ورطب وشتاء بارد ممطر، الأمر الذي يسمح بنمو أنواع متعددة من الفاكهة، فيما يعتمد سكانها بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي.
ويعد شلال تورطوم أبرز معالم أوزوندَره الطبيعية، إذ يقع على مسافة نحو 17 كيلومترا من مركز البلدة، ويتغذى من مياه بحيرة تورطوم. ويقع الشلال على ارتفاع يقارب ألف متر فوق مستوى سطح البحر، وتحيط به منطقة مخصصة للاستراحة تضم منصة لمشاهدة المشهد الطبيعي وسلالم تتيح الاقتراب من الشلال.
أرابغير.. تراث عمره قرون ونكهات محلية مميزة
حصلت أرابغير، التابعة لولاية ملاطية، على لقب "المدينة البطيئة" عام 2021، لتصبح أول منطقة في الولاية تنضم إلى شبكة Cittaslow العالمية.
وتعود بدايات الاستيطان في المنطقة، بحسب التقديرات، إلى نحو 1200 قبل الميلاد، فيما تعاقبت عليها حضارات مختلفة قبل أن تدخل ضمن الدولة العثمانية عقب معركة جالديران عام 1515.
وكانت أرابغير إحدى المحطات المهمة على طريق الحرير التاريخي، وهو ما ترك أثرا واضحا في نسيجها العمراني. ومن أبرز معالمها خان الأمة (ميليت خان) الذي شُيد في القرن التاسع عشر وكان مركزا تجاريا، قبل أن يتحول في الوقت الراهن إلى فندق بوتيكي.
كما تضم البلدة جامع أرابغير الكبير الذي يعود إلى العصر الإيلخاني في القرن الرابع عشر، فضلا عن مسجد غمركجي عثمان باشا ذي المئذنة والقبة الواحدة، والذي يمثل أحد الشواهد المعمارية على الحقبة العثمانية.
وتمنح بيوت أرابغير التاريخية البلدة طابعا خاصا، ومن بينها منازل بيكر سيريم تان، وبيلرلار، وتشوبانلي، وحاج أمير أوغولاري، ورَسيم كاشكالوغلو. كما تضيف الجسور التاريخية، ومنها جسر الميدان وجسر القلعة المقامان فوق نهر كوزلوك، بعدا آخر للمشهد العمراني.
أما محبو الطبيعة والتصوير، فيجدون في وادي نهر كوزلوك مسارات مناسبة للمشي والتخييم والتصوير، في مشهد يجمع بين الصخور والمياه والغطاء النباتي.
ولا تكتمل زيارة أرابغير من دون تذوق أطباقها المحلية، وفي مقدمتها كباب التنور المطهو ببطء على حطب البلوط. كما تشتهر المنطقة بعنب "كوهْنو" المخصص للمائدة وصناعة النبيذ، والذي يعرف بأنه من الأصناف المحلية المميزة، إلى جانب "الريحان الأرجواني لأرابغير"، وكلاهما يحمل تسجيل المؤشر الجغرافي.
كماليه.. حيث يلتقي الفرات بالجبال والأودية
في شرق الأناضول، تقدم كماليه التابعة لولاية أرزينجان مزيجا لافتا من التاريخ والطبيعة والثقافة المحلية. وتتميز البلدة بأجوائها الهادئة وبيئتها التقليدية، ما يجعلها وجهة للراغبين في الابتعاد عن إيقاع الحياة الحديثة واكتشاف نمط الحياة المحلي.
وكانت كماليه محطة مهمة على طريق الحرير، وأسهم موقعها في تعزيز التبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب. وتظهر آثار هذا التاريخ في عمارتها، ولا سيما بيوت كماليه التقليدية التي تتميز بالمباني الحجرية والشرفات الخشبية المزخرفة ومقابض الأبواب المنحوتة.
وتتحول جولة في شوارع البلدة إلى رحلة في الماضي، حيث تتجاور البيوت التاريخية المحفوظة مع تفاصيل العمارة المحلية التي تعكس مهارات الحرفيين عبر أجيال متعاقبة.
وفي الجانب الطبيعي، يشكل نهر الفرات، المحاط بالجبال والغابات الخضراء، أحد أبرز عناصر المشهد في كماليه. كما يعد أخدود كَرَنلِك كَنيون (الوادي المظلم) من أكثر المواقع إثارة، بفضل منحدراته الصخرية العالية وممراته الضيقة التي تمنح المكان أجواء مميزة مع انعكاس أشعة الشمس بين الصخور.
وتوفر المنطقة المحيطة بالأخدود، إلى جانب الجداول المحلية وشلال كاراسو، مسارات طبيعية مناسبة للمشي والاستكشاف، فضلا عن أماكن هادئة للاستراحة وسط الطبيعة.
ولا تقتصر جاذبية كماليه على المناظر الطبيعية، إذ تحتضن منظومة بيئية غنية بالحياة البرية، ويمكن أن تشكل موطنا لأنواع مختلفة من الطيور النادرة، فضلا عن احتمال رصد النمر الأناضولي، فيما تمثل حماية هذه البيئة الطبيعية والحفاظ عليها جزءا من الاهتمام المتزايد بالمنطقة.
وفي الجانب الثقافي، تحافظ كماليه على تقاليدها المحلية من خلال الأزياء الشعبية والرقصات الفلكلورية والحرف اليدوية، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف عن قرب إلى الموروث الثقافي للمنطقة.
كما تمثل المأكولات المحلية جزءا من تجربة الزيارة، ومن بينها كباب الجرة (تيستي كباب) و"كويماك"، إلى جانب ما تشتهر به المنطقة من ضيافة محلية تضفي على الرحلة طابعا أكثر دفئا.
وتعزز مكانة كماليه السياحية مشاركتها في برنامج "أفضل القرى السياحية" التابع لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، لتجمع بذلك بين التراث والطبيعة والسياحة الريفية في تجربة تعكس التنوع الذي يميز شرق تركيا.
وهكذا، تكشف أهلات وأوزوندَره وأرابغير وكماليه عن وجه آخر للأناضول، حيث لا تقاس جاذبية المكان بكثرة الزوار أو سرعة الحركة، بل بقدرته على الحفاظ على ذاكرته وطبيعته وتقاليده. وبين آثار السلاجقة وبيوت العثمانيين، والأنهار والشلالات والوديان، تبدو هذه البلدات نماذج لسياحة تمنح المسافر وقتا لاكتشاف المكان بتأنٍ، والاقتراب من تفاصيله التي صنعت هويته عبر قرون.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











