ترك برس

يرى الكاتب والمحلل التركي ليفنت إرسين أوراللي أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا لم يعد مجرد ظاهرة انتخابية مرتبطة بنتائج صناديق الاقتراع، بل تحول إلى قضية تتعلق بالأمن والقانون ومستقبل النموذج الحضاري الأوروبي، محذراً من أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في وصول الأحزاب المتطرفة إلى السلطة، وإنما في تحول أفكارها الفاشية تدريجياً إلى جزء مقبول من "السياسة الطبيعية".

ويعتبر الكاتب في مقال بصحيفة ستار أن هذا المسار يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الديمقراطية الأوروبية، إذ إن الأفكار التي كانت تُعد في السابق هامشية يمكن أن تنتقل، بفعل تكرارها وتبنيها في الخطاب العام، من موقع الرفض إلى النقاش ثم الشرعية، وصولاً إلى التحول في نهاية المطاف إلى سياسات حكومية.

صعود اليمين المتطرف يتجاوز الانتخابات

ويستشهد أوراللي بالنتائج التي حققها حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، حيث وصل إلى 44 بالمئة، معتبراً أن النتيجة لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد نتيجة انتخابية على مستوى إحدى الولايات الألمانية.

ويرى أن اقتراب اليمين المتطرف بهذا الشكل من إمكانية تشكيل حكومة على مستوى إحدى الولايات للمرة الأولى بهذا الحجم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يمثل إنذاراً جدياً بالنسبة إلى الذاكرة التاريخية الألمانية.

كما يرى أن هزيمة تيار يمين الوسط تؤكد أن اليمين المتطرف لم يعد مجرد وجهة لأصوات الاحتجاج، بل أصبح قوة سياسية قادرة على المنافسة على الحكم.

ويضع الكاتب صعود حزب التجمع الوطني في فرنسا، وسياسات خيرت فيلدرز المناهضة للهجرة في هولندا، وتأثير حزب "فلامس بيلانغ" في بلجيكا، ضمن الموجة السياسية نفسها التي تظهر بأشكال مختلفة في أنحاء القارة.

وبحسب تحليله، تستمد هذه الحركات قوتها من ملفات الهجرة والصعوبات الاقتصادية والمخاوف الأمنية، فضلاً عن تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية. لكنه يميز بين طرح المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع وبين تحويل هذه المشكلات إلى أداة لإنتاج العداء تجاه فئة أو جماعة معينة.

اختبار أوروبا أمام اليمين المتطرف

ويؤكد أوراللي أن الاتحاد الأوروبي يقوم في جوهره على مشروع أوروبي يتمحور حول كرامة الإنسان والحرية والمساواة وسيادة القانون وحقوق الإنسان، مشدداً على أن هذه القيم لا ينبغي أن تكون حكراً على الأوروبيين، وإنما يجب أن تشمل جميع من يعيشون في أوروبا.

ومن هذا المنطلق، يعتبر أن تحويل شخص إلى هدف سياسي بسبب دينه أو لغته أو أصله العرقي أو خلفيته كمهاجر يتناقض مع القيم التي تعلن أوروبا الدفاع عنها.

ويرى الكاتب أن السياسة التي تقيس الإنسان بناءً على هويته فقط، أو تستبعده لمجرد انتمائه، تمثل مساساً بكرامة الإنسان، فيما تشكل حرية الاعتقاد وحرية الضمير والقدرة على التعايش مع الاختلاف معياراً أساسياً للتحضر.

الهجرة بين الأمن وحقوق الإنسان

ويقر الكاتب بوجود مشكلات حقيقية تواجهها أوروبا في إدارة ملف الهجرة، مشيراً إلى أن الهجرة غير النظامية وأمن الحدود والاندماج والنظام العام والأعباء الاقتصادية قضايا تستحق نقاشاً جدياً.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الاعتراف بالحاجة إلى الأمن لا يعني تعليق حقوق الإنسان، معتبراً أن صعود اليمين المتطرف قد يدفع سياسات الهجرة الأوروبية نحو مزيد من التشدد والإقصاء والعقوبات.

ويشير في هذا السياق إلى أن التعديلات الجديدة التي تجريها أوروبا على منظومة الهجرة واللجوء أصبحت في قلب هذا الجدل، إذ تتقدم سياسات الردع وتشديد الرقابة على الحدود، بالتوازي مع مخاوف من إضعاف حق اللجوء والضمانات القانونية.

ويرى أوراللي أن أوروبا تواجه هنا خياراً تاريخياً واضحاً: هل تدير الهجرة أم تحول المهاجرين إلى أعداء؟

ويعتبر أن إدارة الهجرة تمثل "عقل الدولة"، بينما يؤدي تحويل المهاجرين إلى عدو إلى إنتاج سياسة تسمم السلم الاجتماعي.

الخطر الحقيقي.. تطبيع خطاب اليمين المتطرف

ويشدد الكاتب على أن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة ليس الخطر الوحيد، بل إن انتقال خطابه إلى الأحزاب الوسطية وتبنيها بعض أفكاره يمثل خطراً لا يقل أهمية.

فالفكرة، بحسب أوراللي، تبدأ هامشية، ثم تدخل دائرة النقاش، وبعد ذلك تكتسب الشرعية، قبل أن تتحول في نهاية المطاف إلى سياسة للدولة.

ويرى أن صعود اليمين المتطرف يضع الهوية الديمقراطية الأوروبية نفسها أمام اختبار، إذ إن إضعاف سيادة القانون وحقوق الأقليات والتعددية سيؤدي أيضاً إلى فقدان الرسالة التي تقدمها أوروبا للعالم بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان لمصداقيتها.

تحذير من تكرار أخطاء الماضي

ويحذر الكاتب من أن أوروبا، إذا نسيت الدروس التي استخلصتها من تاريخها، قد تجد نفسها أمام خطر إعادة إنتاج السياسات المظلمة التي عرفتها في الماضي.

لكنه يرى أن مواجهة اليمين المتطرف لا ينبغي أن تقوم على تجاهل مخاوف المواطنين بشأن الأمن والرفاه، بل على تقديم حلول حقيقية لهذه المطالب، على أن تحافظ في الوقت ذاته على القانون والعدالة وكرامة الإنسان.

ويخلص أوراللي إلى أن مستقبل أوروبا سيتحدد بناءً على ثلاثة عوامل رئيسية: مدى القوة التي سيكتسبها اليمين المتطرف، ومدى قدرة الديمقراطية على الصمود أمامه، ومدى الحفاظ على جوهر العدالة وعدم تفريغها من مضمونها.

وبحسب رؤية الكاتب، فإن المعركة الحقيقية التي تواجهها أوروبا ليست فقط بين أحزاب سياسية متنافسة، وإنما بين نموذج يسعى إلى معالجة مخاوف المجتمع ضمن إطار القانون وحقوق الإنسان، وآخر قد يحول هذه المخاوف إلى وقود للإقصاء والعداء، بما يهدد الأسس التي قام عليها المشروع الأوروبي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!