ترك برس

يرى الكاتب والخبير التركي عبد الله مراد أوغلو أن السياسة البريطانية تجاه إسرائيل والحرب على قطاع غزة تواجه ضغوطاً متزايدة، سواء داخل حزب العمال الحاكم أو في أوساط الناخبين، في ظل تنامي الاستياء من استمرار الدعم البريطاني لإسرائيل، لكنه يعتقد في الوقت ذاته أن لندن لا تزال عاجزة عن بلورة موقف واضح وحاسم، مفضلةً الحفاظ على ما يصفه بسياسة "الغموض" التقليدية.

وبحسب الكاتب، فقد خسر حزب العمال البريطاني جانباً مهماً من الناخبين الشباب المنتمين إلى جناحه اليساري، إلى جانب جزء من الناخبين المسلمين، لصالح حزب الخضر، بسبب استمرار سياسة الحزب الداعمة لإسرائيل في ظل الحرب على غزة.

خسائر انتخابية وضغوط داخل حزب العمال

ويشير مراد أوغلو في مقال بصحيفة يني شفق إلى أن الدعم السياسي لإسرائيل بات يشكل عبئاً انتخابياً على حزب العمال، ما دفع قياداته إلى محاولة تحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع تل أبيب.

ويلفت الكاتب إلى أن رئيس الوزراء العمالي السابق كير ستارمر اتخذ، خلال الأشهر الأخيرة من ولايته، خطوات شملت الاعتراف بدولة فلسطين، وفرض قيود على التجارة المرتبطة بالمستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، إلى جانب فرض عقوبات على بعض المستوطنين.

غير أن الكاتب يرى أن ستارمر كان يفصل بين المستوطنين الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية، وهو نهج لم يبتعد عنه كثيراً أيضاً أندي برنهام، الذي اعتذر قبل توليه رئاسة الوزراء عن سياسة حزب العمال المؤيدة لإسرائيل في غزة، لكن موقفه من إسرائيل، وفق الكاتب، لا يختلف كثيراً عن موقف ستارمر.

وفي هذا السياق، يشير مراد أوغلو إلى أن برنهام عيّن جيمس بورنيل مديراً لمكتبه، وهو نائب سابق ترأس مجموعة "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال" ويُعرف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل.

ويربط الكاتب بين نشاط ما يسميه "اللوبي الإسرائيلي" داخل الحزب وبين إقصاء الزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربين، بعد اتهامه بمعاداة السامية.

انتقاد إسرائيل بين السياسة وتهمة معاداة السامية

ويرى الكاتب أن تراجع شعبية حزب العمال بسبب دعمه لإسرائيل دفع الحزب إلى إدارة علاقاته مع تل أبيب بحذر شديد، مشيراً إلى أن محاولات وصف ردود الفعل الإنسانية على ما يجري في غزة بأنها "معاداة للسامية" ومعاقبة أصحابها أصبحت تشكل بدورها مشكلة للحزب.

وفي هذا الإطار، يستشهد الكاتب بتبرئة الناشط اليهودي المناهض للصهيونية توني غرينشتاين، البالغ من العمر 72 عاماً، بالإجماع من قبل هيئة محلفين في محكمة كينغستون الملكية خلال أغسطس/آب الماضي، معتبراً ذلك تطوراً مهماً في سياق الجدل الدائر حول حرية انتقاد إسرائيل والصهيونية في بريطانيا.

ويضيف أن الناخبين الشباب في بريطانيا، كما هو الحال في الولايات المتحدة، باتوا أكثر تمرداً على السياسات المؤيدة لإسرائيل، ويرى أن هذا التحول بدأ يترك أثراً على الخطاب السياسي للحكومة البريطانية.

ميلباند يتحدث عن "أهوال غزة"

وفي هذا السياق، يشير مراد أوغلو إلى تصريحات وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، ذي الأصول اليهودية، التي وصف فيها ما يجري في غزة بأنه "مروع"، بعد لقاء جمعه بأشخاص عملوا أو لا يزالون يعملون في القطاع.

ونقل الوزير، بحسب الكاتب، شهادات حول منع دخول الأدوية ووفاة أطفال أثناء انتظارهم العلاج المنقذ للحياة، مؤكداً أن الحكومة البريطانية بحاجة إلى التحرك بطريقة أكثر حسماً مما فعلت حتى الآن.

ويرى الكاتب أن هذه التصريحات تعكس حجم الضغوط المتزايدة على الحكومة البريطانية لاتخاذ موقف أكثر صرامة، إلا أن ردود الفعل التي أعقبتها كشفت في المقابل حجم الحساسية السياسية المحيطة بأي انتقاد لإسرائيل.

هاكابي يتهم بريطانيا بـ"كراهية اليهود"

ويشير الكاتب إلى أن أشد رد على تصريحات ميلباند جاء من السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي يسخر مراد أوغلو من تشبيهه بالسفير الإسرائيلي بسبب ما يراه دعماً مطلقاً منه لتل أبيب.

ويصف الكاتب هاكابي بأنه مسيحي صهيوني متشدد، مشيراً إلى أنه ينتقد أحياناً بعض المستوطنين الذين يصفهم بـ"المتطرفين"، لكنه يفصل بينهم وبين الحكومة الإسرائيلية وبقية المستوطنين في الضفة الغربية، معتبراً أنهم يمثلون مجموعة صغيرة.

لكن هاكابي، وفق المقال، اتخذ موقفاً أكثر حدة من تصريحات ميلباند بشأن غزة، إذ كتب عبر حسابه على منصة "إكس" أن "البريطانيين فقدوا عقولهم"، متهماً الحكومة البريطانية بأن "كراهيتها لليهود لا حدود لها وأنها لا تهتم بالحقائق".

ويرى الكاتب أن مهمة هاكابي الدبلوماسية، من خلال مواقفه حتى الآن، تقوم عملياً على الدفاع عن إسرائيل ومنع توجيه أي انتقاد إليها.

رد بريطاني دفاعي دون ذكر الإبادة

أما الرد الصادر عن وزارة الخارجية البريطانية على الانتقادات الإسرائيلية والأمريكية، فيراه الكاتب أكثر إثارة للاهتمام، إذ حرصت لندن على التأكيد أنها تتخذ إجراءات صارمة ضد التطرف المعادي للسامية.

كما أشارت الحكومة البريطانية إلى أنها أنفقت نحو 318 مليون جنيه إسترليني خلال السنوات الثلاث الأخيرة في إطار مكافحة معاداة السامية عبر النظام التعليمي.

وتحدث البيان كذلك عن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة، مشيراً إلى أن غالبية سكان القطاع نزحوا من منازلهم، وأن 90 بالمئة منهم يعانون من مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تعيش أسرة من كل خمس أسر على وجبة واحدة يومياً، ويحتاج نحو 1.6 مليون شخص إلى مساعدات غذائية، بينما يعيش الآلاف بإصابات غيرت حياتهم.

لكن الكاتب يوجه انتقاداً واضحاً إلى البيان البريطاني، معتبراً أنه حاول، على طريقة "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"، إرضاء جميع الأطراف دون اتخاذ موقف صريح.

ويشير إلى أن البيان لم يتضمن، بحسب رأيه، جملة واحدة عن "الإبادة" التي ترتكبها إسرائيل في غزة، كما لم يتطرق إلى مقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء جراء القصف.

سياسة الغموض مستمرة

ويرى مراد أوغلو أن بيان الخارجية البريطانية، وكذلك تصريحات ميلباند، يكتنفهما قدر كبير من الغموض، إذ لم يتضح من خلالهما ما هي السياسة التي ستتبعها الحكومة البريطانية تجاه غزة في المرحلة المقبلة.

ويخلص الكاتب إلى أن هذا الغموض ليس أمراً جديداً في السياسة البريطانية، بل يعد إحدى سماتها المعروفة تاريخياً.

وبين الضغوط الانتخابية التي يواجهها حزب العمال، وتصاعد غضب الناخبين الشباب والمسلمين، والانتقادات الدولية لإسرائيل، ومحاولات الموازنة بين إدانة الكارثة الإنسانية وتجنب مواجهة مباشرة مع تل أبيب، يرى الكاتب أن لندن ما زالت تتحرك في منطقة رمادية.

فبريطانيا، وفق رؤية مراد أوغلو، بدأت تشعر بأن استمرار دعم إسرائيل يكلفها سياسياً وشعبياً، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تبني سياسة واضحة وحاسمة تجاه ما يجري في غزة، لتبقى "الضبابية" هي العنوان الأبرز لموقفها حتى الآن.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!