
ترك برس
يرى الكاتب والمحلل التركي الدكتور عثمان غازي قندمير أن التصورات السائدة في اليونان بشأن حرب محتملة مع تركيا لم تعد تقوم على فرضية مواجهة محدودة تنشب بسبب خلاف على جزيرة أو منطقة بحرية وتنتهي خلال فترة قصيرة، بل باتت تنظر إلى سيناريو أكثر تعقيدًا وطولًا، قد يبدأ بمواجهة جوية وبحرية عالية الكثافة في بحر إيجه، قبل أن يتحول إلى حرب استنزاف تمتد لأشهر.
ويشير قندمير، في مقال نشره موقع "إندبندنت التركية"، إلى أن التصور اليوناني لا يحصر ساحة الحرب في بحر إيجه، وإنما يوسعها لتشمل قبرص وشرق المتوسط وممرات الطاقة والموانئ وكابلات الاتصالات البحرية والمجال السيبراني، باعتبارها جميعًا عناصر مترابطة في أي مواجهة واسعة بين البلدين.
ويؤكد الكاتب أن ما يستعرضه لا يمثل خططًا عسكرية تركية فعلية، وإنما محاولة لفهم الكيفية التي تتصور بها مصادر يونانية مفتوحة، ودراسات أكاديمية، وضباط متقاعدون ودوائر دفاعية في اليونان، سيناريو صراع محتمل مع تركيا.
معركة جوية وبحرية في البداية
وبحسب الكاتب، فإن تحليلات منشورة في أوساط الدفاع والاستراتيجية اليونانية تتصور المرحلة الأولى من الحرب باعتبارها مواجهة جوية وبحرية تتركز في بحر إيجه، وتسعى خلالها كل من تركيا واليونان إلى تحقيق التفوق على الطرف الآخر. ويرجح هذا التصور أن تكون هذه المرحلة شديدة الكثافة وقصيرة نسبيًا.
لكن الأهم، وفق قندمير، هو ما سيحدث بعد المعركة الأولى، إذ تفترض التحليلات اليونانية أن نتيجة المواجهة الأولية لن تكون بالضرورة حاسمة، وأن الصراع قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
ويربط الكاتب هذا التصور بالدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، حيث أظهرت التطورات الميدانية أن الحروب التي يُعتقد أنها ستحسم بسرعة قد تمتد لفترات طويلة. كما يرى الاستراتيجيون اليونانيون أن التفوق التكنولوجي وحده لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج سياسية حاسمة، في وقت باتت فيه الأنظمة غير المأهولة والطائرات المسيّرة تغير طبيعة الحروب الحديثة.
اليونان تراهن على الجغرافيا والزمن
ويعتبر قندمير أن السؤال الأساسي بالنسبة إلى أثينا لا يتعلق فقط بعدد الطائرات أو السفن التي قد يخسرها كل طرف في الأيام الأولى، وإنما بمن يستطيع الحفاظ على قدرته الاقتصادية والعسكرية لفترة أطول إذا امتدت الحرب.
وفي هذا السياق، تمثل جغرافية بحر إيجه بالنسبة إلى اليونان عامل قوة ومصدرًا للقلق في الوقت نفسه. فانتشار الجزر، وفق التصورات الاستراتيجية اليونانية، يمكن أن يشكل عائقًا طبيعيًا أمام القوة البحرية التركية، كما يمنح أثينا إمكانية توزيع قواتها وتحويل المجال البحري إلى شبكة دفاعية متفرقة.
لكن قرب عدد كبير من هذه الجزر من السواحل التركية يخلق، في المقابل، نقطة ضعف كبيرة، إذ تقر مصادر يونانية بأن إمداد بعض الجزر وتعزيزها قد يصبح أكثر صعوبة في المراحل الأولى من الحرب.
ومن هنا، يوضح الكاتب، فإن الحرب كما تتصورها أثينا لن تكون حرب جبهات تقليدية، وإنما مواجهة متعددة المجالات، تشارك فيها القوات الجوية والبحرية إلى جانب العمليات السيبرانية وحرب المعلومات والبنية التحتية الحيوية.
كابلات الاتصالات والطاقة جزء من المعركة
ويستشهد قندمير بما تناولته صحيفة "تا نيا" اليونانية بشأن كابلات الاتصالات البحرية، مشيرًا إلى أن كابلات الألياف الضوئية لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد بنية تحتية للإنترنت، بل أصبحت عنصرًا حيويًا يمتد تأثيره من المعاملات المالية إلى الاتصالات العسكرية.
وبحسب الكاتب، تنظر بعض التحليلات اليونانية إلى عمليات مد الكابلات وحمايتها باعتبارها جبهة جديدة من جبهات التنافس على مناطق الصلاحية البحرية، ما يعني أن الصراع على البنية التحتية البحرية يمكن أن يبدأ حتى قبل اندلاع الحرب بصورة مباشرة، ويتحول إلى جزء من المواجهة منخفضة الحدة.
وينطبق المنطق ذاته، وفق قندمير، على مشاريع الطاقة. فمشاريع الربط التي تطورها اليونان مع بلغاريا ومصر وإسرائيل، إلى جانب البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال ومشروعي "إيست ميد" و"غريت سي إنتركونكتور"، لا تُنظر إليها في أثينا باعتبارها استثمارات اقتصادية فحسب، وإنما أدوات لتعزيز القدرة على الصمود الاستراتيجي.
ويضيف أن تنويع مصادر ومسارات الطاقة يُنظر إليه باعتباره وسيلة لتجنب الاعتماد على مسار واحد في حال اندلاع حرب، فضلًا عن كونه جزءًا من الحسابات المتعلقة بقدرة الاقتصاد اليوناني على تحمل أعباء صراع طويل.
هدف أثينا: منع الحسم السريع
ويبرز الكاتب في هذا السياق ما يعتبره جوهر التصور اليوناني للحرب، موضحًا أن اليونان لا تفترض قدرتها على تحقيق انتصار في حرب طويلة مع تركيا، وإنما تسعى إلى تحقيق هدف أكثر محدودية يتمثل في منع أنقرة من الوصول إلى نتيجة عسكرية سريعة وحاسمة.
وينقل قندمير عن الضابط البحري اليوناني المتقاعد د. د. تسيلّاس أن تركيا تتمتع بمزايا هيكلية في حرب طويلة، بالنظر إلى حجم سكانها وعمقها الجغرافي وقدراتها الصناعية.
وبالتالي، فإن الحساب اليوناني لا يقوم على منافسة تركيا من حيث الكم بشكل مباشر، وإنما على رفع تكلفة الحرب من خلال التكنولوجيا والقدرات النوعية وشبكة التحالفات والعلاقات الخارجية.
ويرى الكاتب أن هذا المنطق يفسر جانبًا من برنامج التحديث العسكري اليوناني خلال السنوات الأخيرة، بما يشمل مقاتلات "رافال"، وتحديث طائرات "إف-16 فايبر"، وفرقاطات "بلهارا"، إلى جانب منظومة الدفاع الجوي "درع أخيل" التي تطورها اليونان بالتعاون مع إسرائيل.
وتتمثل الفكرة الأساسية، بحسب قندمير، في تعزيز قدرة الدفاع الجوي على الحد من آثار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وضمان استمرار عمل البنية التحتية الحيوية طوال فترة الحرب.
معضلة المسيّرات وكلفة الدفاع
لكن الكاتب يشير في الوقت نفسه إلى أن هذه الاستراتيجية تواجه حدودًا واضحة، أبرزها الفارق الكبير في التكلفة بين أنظمة الدفاع مرتفعة الثمن والوسائل غير المأهولة الأقل تكلفة.
ومع امتداد الحرب، يمكن لهذا الفارق أن يتحول إلى مشكلة بالنسبة إلى أثينا، خصوصًا إذا اضطرت إلى استخدام أنظمة دفاع باهظة الثمن لمواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات الأقل تكلفة.
كما يلفت قندمير إلى وجود انتقادات داخل الأوساط الدفاعية اليونانية بشأن تأخر اليونان عن تركيا في مجال الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية، معتبرًا أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في ظل طبيعة الحروب الحديثة التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على المسيّرات والقدرات الإلكترونية.
واشنطن والناتو عاملان في الحساب اليوناني
أما على صعيد القوى الخارجية، فيرى الكاتب أن المصادر اليونانية تفترض أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي "الناتو" سيسعيان إلى احتواء الحرب والحد من توسعها، دون أن يعني ذلك بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا.
ويشير إلى أن عضوية تركيا واليونان في الحلف نفسه تجعل الناتو أقرب إلى آلية لإدارة الأزمات منه إلى ضامن أمني لطرف ضد الآخر. وفي الوقت نفسه، تراهن أثينا على علاقاتها مع فرنسا وإسرائيل ومصر وقبرص لتوسيع محيطها الاستراتيجي وتعزيز قدرتها على مواجهة تداعيات أي صراع.
غير أن قندمير يرى أن الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي لتحمل أعباء حرب طويلة ينطوي بدوره على مخاطر، إذ لا يمكن ضمان أن تتحول المساندة السياسية والدبلوماسية إلى تدخل عسكري مباشر.
حرب لمنع الخسارة لا لتحقيق النصر
ويخلص الكاتب إلى أن الحرب كما تتصورها الأوساط اليونانية ليست بالضرورة "حرب انتصار"، بقدر ما هي "حرب لمنع الحسم".
ويتمثل الخوف الأساسي في أثينا، وفق هذا التصور، في أن تتمكن تركيا من فرض أمر واقع عسكري خلال أيام قليلة، ولذلك تقوم الاستراتيجية المقترحة على تجاوز المرحلة الأولى من القتال الجوي والبحري، والحفاظ على الجزر والبنية التحتية الحيوية، ورفع تكلفة الحرب، وكسب الوقت إلى حين تدخل المسار الدبلوماسي.
ويرى قندمير أن هذا ربما يفسر الطابع السياسي للرسالة المشتركة التي تظهر في كثير من المصادر اليونانية، والتي تفيد بأن مثل هذه الحرب قد لا يكون لها منتصر حقيقي، بينما يمكن أن يكون لها عدد كبير من الخاسرين.
ويؤكد أن الحسابات العسكرية للساعات الأولى من المواجهة لن تكون العامل الوحيد الحاسم، إذ إن المعركة الأهم قد تبدأ خلال الأسابيع التالية، عندما تصبح قدرة الاقتصادات والمجتمعات وأنظمة الطاقة والتحالفات على الصمود هي العامل الأكثر تأثيرًا.
وبهذا المنظور، يخلص الكاتب إلى أن التصور اليوناني للحرب مع تركيا لا يقوم أساسًا على البحث عن كيفية تحقيق النصر، وإنما على كيفية تجنب الهزيمة ومنع تركيا من تحقيق حسم سريع، عبر إطالة أمد الصراع ورفع كلفته بما يكفي لفتح المجال أمام التدخل الدبلوماسي والسياسي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










