ترك برس

غالبا ما يُفسَّر توجه تركيا نحو التحالف مع بريطانيا وفرنسا عام 1939 في إطار التهديد الذي مثلته ألمانيا النازية لأوروبا، إلا أن هذه القراءة لا تكشف، بحسب الكاتب والمحلل الاستراتيجي التركي الدكتور عثمان غازي قندمير، كامل حسابات أنقرة الأمنية في تلك المرحلة المضطربة.

ففي مقال له بموقع إندبندنت تركية، يرى قندمير أن تركيا كانت تواجه تهديدا أقرب جغرافيا وأكثر إلحاحا تمثل في إيطاليا الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني، التي لم تخف طموحاتها التوسعية في البحر المتوسط والبلقان، بل وضعت الأناضول أيضا ضمن دائرة مصالحها.

ومن هذا المنظور، يقرأ الكاتب تقارب أنقرة مع لندن وباريس في ثلاثينيات القرن الماضي ليس باعتباره تحولا أيديولوجيا نحو الغرب أو انضماما إلى معسكر بعينه، وإنما بوصفه سياسة موازنة أمنية هدفت في المقام الأول إلى حماية تركيا وإبقائها، قدر الإمكان، بعيدة عن حرب أوروبية كانت تقترب من حدودها.

إيطاليا.. التهديد الأقرب لأنقرة

يرجع قندمير جذور القلق التركي إلى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، عندما بدأ موسوليني يتبنى بشكل علني سياسة توسعية تستند إلى استحضار إرث الإمبراطورية الرومانية.

ولم تكن طموحات روما مقتصرة على مناطق بعيدة، إذ شملت البحر المتوسط والبلقان، فيما كانت الأناضول نفسها حاضرة ضمن التصورات الإيطالية لمجال النفوذ والمصالح.

ومع الغزو الإيطالي للحبشة عام 1935، انتقلت هذه الطموحات من مستوى الخطاب السياسي إلى الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية، وهو ما زاد من مخاوف أنقرة.

كما أن الوجود العسكري الإيطالي في بحر إيجه كان عاملا إضافيا في الحسابات التركية، خاصة في ظل امتلاك روما قواعد عسكرية مهمة قريبة من السواحل الغربية لتركيا.

ويلفت الكاتب إلى جزيرة ليروس، المعروفة في التركية باسم «إيليرييوز»، ضمن جزر الدوديكانيز، والتي بدأت إيطاليا تحصينها منذ عشرينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول في ثلاثينياته إلى قاعدة بحرية كبيرة تحت اسم «بورتولاغو».

وبفضل موانئها الطبيعية وموقعها في شرق بحر إيجه، اكتسبت الجزيرة أهمية خاصة في التخطيط العسكري الإيطالي، الأمر الذي جعل التهديد الإيطالي بالنسبة إلى تركيا مسألة ملموسة وليست مجرد مخاوف سياسية.

البحث عن شبكة أمنية

ويرى قندمير أن أنقرة بدأت منذ عام 1934 في بناء سياستها الأمنية على أكثر من محور.

فتركيا حافظت على علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، وعملت في الوقت نفسه على تطوير التعاون مع دول البلقان، وسعت إلى حماية الوضع القائم إقليميا.

وفي هذا السياق جاء حلف البلقان بوصفه أحد أدوات البحث عن الأمن، لكن الكاتب يحذر من اختزال الحلف في كونه تحالفا موجها ضد إيطاليا فقط.

فإلى جانب المخاوف من السياسة الإيطالية، كانت هناك مطالب بلغارية مراجعة للوضع الإقليمي، إضافة إلى الرغبة العامة في الحفاظ على التوازن القائم في منطقة البلقان.

لذلك، يعتقد قندمير أن حلف البلقان يجب أن يُفهم باعتباره استجابة جماعية لتزايد المشكلات الأمنية في المنطقة، وليس مجرد «تحالف ضد إيطاليا».

أتاتورك والتقارب المبكر مع بريطانيا

بحسب الكاتب، فإن التقارب التركي البريطاني بدأ في وقت أبكر مما تفترضه بعض القراءات التاريخية.

ويشير إلى أن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك طرح مسألة تطوير العلاقات مع بريطانيا خلال لقائه السفير البريطاني بيرسي لورين في أنقرة يوم 17 يونيو/حزيران 1934.

وتؤكد التقارير التي أرسلها لورين إلى لندن، وفقا لقندمير، وجود توجه دبلوماسي تركي واضح نحو تطوير العلاقات مع بريطانيا في ذلك التاريخ.

ومن هنا، يرى الكاتب أن اعتبار التقارب بين أنقرة ولندن نتيجة لتطورات عامي 1935 أو 1936 فقط لا يعكس الصورة كاملة، لأن البحث عن مساحة تعاون أوسع كان قد بدأ بالفعل عام 1934.

مونترو وسدادات.. مواجهة التوسع الإيطالي

ومع احتلال إيطاليا للحبشة، أصبح التهديد أكثر وضوحا في نظر أنقرة، فركزت تركيا جهودها على تعزيز أمن المضائق.

ويضع قندمير اتفاقية مونترو للمضائق عام 1936 ضمن هذا الإطار، إذ عززت الاتفاقية بشكل كبير سيادة تركيا على المضائق، بينما كانت إيطاليا من أبرز القوى الكبرى المعارضة لهذا التطور.

كما يرى أن إنشاء حلف سعد آباد في الشرق الأوسط ارتبط، ضمن جملة من الأسباب، بحالة انعدام الأمن التي أوجدتها السياسة التوسعية الإيطالية في المنطقة.

وبذلك، عملت أنقرة على بناء شبكة متعددة الاتجاهات؛ تحافظ من خلالها على علاقتها بموسكو، وتعزز تعاونها في البلقان والشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام تقارب أكبر مع بريطانيا وفرنسا.

غزو ألبانيا.. نقطة التحول الكبرى

لكن التحول الأهم، بحسب قندمير، جاء عام 1939.

فبعد أسابيع قليلة من احتلال ألمانيا لتشيكوسلوفاكيا، أنزلت إيطاليا قواتها في ألبانيا يوم 7 أبريل/نيسان، لتنتقل من مجرد قوة متوسطية إلى وجود عسكري مباشر في البلقان.

وبالنسبة إلى أنقرة، كان معنى هذه الخطوة واضحا: إيطاليا أصبحت تمتلك موطئ قدم عسكريا جديدا يمكن استخدامه في البلقان.

كما دفعت التطورات نفسها بريطانيا إلى إعادة النظر في حساباتها الأمنية، وبدأت لندن بحث تقديم ضمانات لتركيا واليونان.

وفي 13 أبريل/نيسان 1939، أبلغت الحكومة البريطانية أنقرة استعدادها لإجراء مباحثات بشأن ضمانات متبادلة، في وقت يرى فيه الكاتب أن تكلفة الحياد بالنسبة إلى تركيا كانت ترتفع تدريجيا.

أنقرة ولندن.. تقارب بلا «اصطفاف» كامل

شكل البيان التركي البريطاني المشترك الصادر في 12 مايو/أيار 1939 محطة مهمة في هذا التحول.

ورغم أن البيان لم يسم إيطاليا بشكل مباشر، فإن قندمير يرى أن التطورات العسكرية في المتوسط وغزو ألبانيا كانا حاضرين بقوة في الحسابات الأمنية التركية.

وفي المقابل، نظرت روما إلى التقارب التركي البريطاني من زاوية مختلفة، إذ رأت الصحافة الإيطالية أن بريطانيا تسعى إلى تطويق ألمانيا وإيطاليا.

كما انتقد موسوليني، في خطاب ألقاه بمدينة تورينو في 14 مايو/أيار 1939، نظام الضمانات الأوروبي، معتبرا أنه يستهدف محاصرة روما وبرلين.

لكن تركيا، بحسب قراءة الكاتب، لم تكن تنظر إلى التقارب مع بريطانيا وفرنسا بوصفه انضماما أيديولوجيا إلى معسكر غربي، بل باعتباره إجراء أمنيا تفرضه التطورات الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، كانت أنقرة حريصة على عدم قطع علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، لأن هدفها لم يكن التحول إلى تابع لإحدى القوى الكبرى، وإنما بناء توازن يسمح لها بتجنب الحرب.

تحالف 1939.. للاستعداد للحرب أم لتجنبها؟

في 19 أكتوبر/تشرين الأول 1939، وقعت تركيا وبريطانيا وفرنسا معاهدة التحالف الثلاثي، التي شكلت تتويجا لمسار التقارب بين الأطراف الثلاثة.

ويرى قندمير أن المعاهدة هدفت، بصورة خاصة، إلى إنشاء آلية للمساعدة المتبادلة في حال امتداد الحرب إلى منطقة البحر المتوسط، حيث كانت إيطاليا تمثل أحد أهم مصادر الخطر.

وفي الوقت نفسه، حصلت تركيا على ترتيبات تساعدها على تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفيتي.

وهنا يلفت الكاتب إلى أن ردود الفعل الإيطالية لم تكن حادة في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى اتهام تركيا بالانخراط في سياسة «التطويق» البريطانية.

كما فسرت روما تعزيز العلاقات العسكرية والمالية بين أنقرة ولندن، إلى جانب استعادة تركيا للواء هاتاي، باعتباره تحولا قد يحد من قدرة تركيا على التحرك بصورة مستقلة.

لكن الكاتب يرفض هذه القراءة، ويرى أن أنقرة كانت، على العكس، تحاول توسيع هامشها وحماية استقلال قرارها في ظل بيئة دولية تزداد خطورة.

التحالف لم يدفع تركيا إلى الحرب

ويعتبر قندمير أن أهم دليل على طبيعة السياسة التركية في عام 1939 هو ما حدث لاحقا خلال الحرب العالمية الثانية.

فعلى الرغم من توقيعها معاهدة التحالف الثلاثي مع بريطانيا وفرنسا، بقيت تركيا خارج الحرب فعليا خلال معظم سنوات الصراع، ولم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة حتى عام 1945.

ويفسر الكاتب ذلك بأن قرار أنقرة لم يكن موجها نحو خوض الحرب، وإنما نحو إنشاء توازن أمني يتيح لها تجنب الحرب قدر الإمكان.

ومن وجهة نظره، فإن استمرار تركيا في سياسة الحياد العملي، رغم انتمائها إلى معاهدة التحالف، يكشف أن الدبلوماسية التركية كانت تقوم على إدارة التوازنات لا على الانضمام المطلق إلى أحد المعسكرات.

موازنة لا تسليم

ويخلص قندمير إلى أن توجه تركيا نحو بريطانيا وفرنسا في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي ينبغي ألا يُقرأ باعتباره «تسليما أيديولوجيا للغرب».

فغزو إيطاليا للحبشة، وتعزيز وجودها العسكري في جزر الدوديكانيز، ثم احتلالها ألبانيا، كلها تطورات سرعت إعادة صياغة الحسابات الأمنية التركية.

وبحسب الكاتب، فإن أنقرة اختارت في تلك المرحلة سياسة موازنة محسوبة؛ تقترب من القوى الغربية عند الضرورة، وتحافظ على علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي، وتعمل على بناء تحالفات إقليمية، بهدف رئيسي هو حماية أمنها واستقلال قرارها.

وهكذا، فإن الدرس الذي يستخلصه قندمير من تلك المرحلة هو أن السياسة التركية عام 1939 لم تكن قائمة على اختيار الغرب بديلا عن الشرق، بل على محاولة إيجاد مساحة آمنة بين القوى الكبرى.

فالتقارب مع الغرب، في نظر الكاتب، كان استجابة لتغير مصادر التهديد، وفي مقدمتها إيطاليا الفاشية، وسياسة تهدف إلى الحفاظ على التوازن ومنع تركيا من الانزلاق إلى حرب كبرى، أكثر من كونه خيارا أيديولوجيا أو انضماما دائما إلى معسكر واحد.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!