ترك برس

أعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية عن اكتشاف أثري استثنائي يُعد من أهم الاكتشافات المتعلقة بالحضارة الحيثية في القرن الحادي والعشرين. فقد أسفرت أعمال التنقيب في موقع كايالي بينار (Kayalıpınar) بقضاء يلديزلي في ولاية سيفاس عن الكشف عن أرشيف ملكي حيثي يضم 184 لوحاً وطيناً مكتوباً بالخط المسماري، يعود معظمها إلى عهد الملك تودخاليا الثاني (حوالي منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد).

وقال وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري إرسوي في بيان نشره عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي: «في كايالي بينار بسيفاس حققنا اكتشافاً مهماً جداً يصل إلى ذاكرة الدولة الحيثية. خلال موسم التنقيب لعام 2026 في مدينة شاموها القديمة، استخرجنا 131 لوحاً وطيناً مكتوباً بالخط المسماري يعود إلى عهد الملك تودخاليا الثاني. ومع اللقى التي عُثر عليها في الموسم السابق وصل العدد إلى 184. وبذلك أصبح الأرشيف الملكي في كايالي بينار أكبر أرشيف حيثي باللغة الحيثية يُكتشف في القرن الحادي والعشرين».

مدينة شاموها: مركز سياسي وديني مهم

يقع الموقع الأثري في كايالي بينار على الضفة الشمالية لنهر قيزيل إرماك (الذي كان يُعرف في العصر الحيثي باسم ماراشانتا)، على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب مدينة سيفاس. وقد تأكد علماء الآثار من أن هذا الموقع هو المدينة القديمة «شاموها» (Šamuḫa) المذكورة في المصادر الآشورية القديمة والحيثية. كانت شاموها مركزاً إدارياً ودينياً وعسكرياً بارزاً، واستُخدمت في فترات الأزمات كمقر ملكي مؤقت، خاصة في عهد تودخاليا الثاني الذي شهد تحديات سياسية وعسكرية كبيرة.

تجري أعمال التنقيب في الموقع منذ عام 2021 بإذن من وزارة الثقافة والسياحة التركية، تحت إشراف الأستاذة المساعدة الدكتورة تشيغديم مانر من قسم الآثار وتاريخ الفن في جامعة كوتش، بمشاركة فريق علمي متخصص.

وثائق تكشف عن وباء وأزمة صحية في البلاط الملكي

كُتبت الألواح باللغتين الحيثية والحورية، وتشمل نصوصاً في مجالات الإدارة والدولة، والأمور العسكرية، والطقوس الدينية، والصلوات، والتنبؤات، والرسائل. ومن أبرز ما ورد فيها روايات عن وباء حمّى مرتفعة انتشر من مدينة إلى أخرى، وأصاب الأطفال والرضّع بشكل خاص.

تُظهر الوثائق أن صحة الأمراء والأميرات الصغار وأبناء كبار المسؤولين الحيثيين كانت تُتابع بدقة عبر استشارات العرافين. وتتحدث بعض الألواح عن أميرة رضيعة كانت لا تزال ترضع من أمها، حيث أُبدي قلق شديد على حالتها الصحية، وحاول العرافون معرفة مصيرها عبر الطالع. وفي لوح آخر يُذكر أنها أصيبت بالمرض في مدينة تُدعى «زيوليلا» (Ziulila) التي لم يُحدد موقعها بعد، ثم توفيت، وسُجلت الطقوس الجنائزية التي أُقيمت لها.

تعكس هذه النصوص القلق العميق الذي سيطر على الأسرة الملكية الحيثية جراء الوباء، وتوفر لمحة نادرة عن الجانب الإنساني في حياة البلاط قبل أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة عام.

رسالة عسكرية عاجلة من غرب الأناضول

لم تقتصر الوثائق على الشؤون الصحية، بل كشفت أيضاً عن تهديدات عسكرية خطيرة. ففي رسالة أرسلها قادة حيثيون متمركزون في غرب الأناضول إلى الملك الموجود آنذاك في شاموها، أبلغوا أن المنطقة الحيثية محاطة بالأعداء، وطلبوا إرسال جنود وخيول وعربات حربية بشكل عاجل. وحذروا من أنه إذا لم يصل الدعم، فقد يتعرض الجيش الحيثي للإبادة، وأكدوا أنهم لن يتحملوا مسؤولية النتائج إذا لم يُرسل الملك المساعدة المطلوبة.

أسرار عرافة الطيور

تضمن الأرشيف أيضاً سجلات مفصلة عن ممارسات العرافة الحيثية، خاصة عرافة الطيور. سجّل العرافون رحلاتهم خارج شاموها، والمدن التي أقاموا فيها، والمسارات التي سلكوها، والطيور التي راقبوها، بطريقة تشبه اليوميات. وتقدم هذه النصوص معلومات جديدة وغير معروفة سابقاً عن كيفية تفسير طالع الطيور لدى الحيثيين.

أهمية الاكتشاف

يُعد هذا الأرشيف الملكي الأكبر من نوعه باللغة الحيثية الذي يُكتشف في القرن الحادي والعشرين، ويفتح آفاقاً جديدة لدراسة تاريخ الحيثيين، وتطور لغتهم، وثقافة الكتبة، والممارسات الدينية، والإدارة السياسية في عصر البرونز المتأخر. ومع استمرار أعمال الترجمة والدراسة العلمية للألواح، من المتوقع أن تكشف المزيد من التفاصيل عن حياة الدولة الحيثية وتحدياتها قبل أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة عام.

وتؤكد وزارة الثقافة والسياحة التركية استمرار جهودها في الكشف عن ذاكرة الأناضول القديمة وحمايتها ونقلها إلى الأجيال القادمة من خلال البحث العلمي الدقيق.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!