ترك برس

تُعد حديقة ألاداغلار الوطنية واحدة من أجمل الكنوز الطبيعية في تركيا، حيث ترتفع قممها الشامخة كحراس أبديين يطلون على سهول الأناضول وسهول البحر المتوسط. 

في هذا المكان الذي يجمع بين صرامة الجبال وروعة الوديان، تتشابك الصخور البيضاء الحادة مع الغابات الكثيفة والبحيرات الجليدية والشلالات الهادرة، لتقدم لوحة حية تروي قصة الطبيعة في أبهى صورها. 

إنها ليست مجرد محمية، بل ملاذ للباحثين عن المغامرة والهدوء على حد سواء، حيث يجد المتسلقون تحدياتهم، والعشاق للطبيعة ملاذهم، والمصورون لقطاتهم التي لا تُنسى.

تقع حديقة ألاداغلار الوطنية عند التقاء ولايات قيصري ونيغده وأضنة، وبدأت أعمال خطة التنمية طويلة الأمد للحديقة عام 1998، وتمتد مساحتها الإجمالية على 54.524 هكتاراً (أي ما يعادل 545.240 دونم)، يقع نحو ثلثيها (حوالي 31.000 هكتار) ضمن حدود قضاء ياحيالي في ولاية قيصري، بينما يغطي الجزء الواقع في قيصري تحديداً نحو 31.358 هكتاراً. 

يسهل الوصول إلى الحديقة عبر طرق ممهدة ومسارات طبيعية، إذ تبعد نحو 30 كيلومتراً عن ياحيالي، و15 كيلومتراً عن قضاء تشاماردي في نيغده، و26 كيلومتراً عن قضاء ألاضغ في أضنة.

يتميز مناخ المنطقة بخصوصية واضحة تعكس موقعها الانتقالي بين المناخ المتوسطي الحار والمناخ القاري الداخلي. فالصيف حار والشتاء بارد ومثلج، مما يسمح ببقاء الثلوج الدائمة على المرتفعات العالية. 

كما أن الفارق الحراري بين الليل والنهار كبير جداً؛ إذ تنخفض درجات الحرارة ليلاً إلى مستويات تتجمد معها مياه البحيرات، بينما ترتفع نهاراً لتصل إلى نحو 30 درجة مئوية. 

هذا التباين المناخي أسهم بشكل كبير في تشكيل الغطاء النباتي الغني للمنطقة، حيث تسود أشجار الصنوبر الأسود والصنوبر الأحمر، مع وجود مناطق انتقالية تختلط فيها هاتان الشجرتان في غابات مختلطة.

تحتضن الحديقة عدداً من المعالم الطبيعية البارزة التي تجذب الزوار من كل مكان. في مقدمتها قمة دميرقازيق التي تقع ضمن حدود نيغده، وترتفع إلى 3756 متراً، فتُعد من أعلى القمم في جبال طوروس الوسطى، ومن أبرز الوجهات لعشاق تسلق الجبال والطيران المظلي. 

أما بحيرات يدي غولر السبع، الواقعة على ارتفاع 3500 متر داخل حدود قيصري، فتتغذى من مياه الأمطار والثلوج والأنهار الجليدية، وتوفر مساحات مثالية للتخييم والاستمتاع بالمناظر الخلابة. 

وفي غابة هاجر، التي تمتد على مساحة تقارب 2750 هكتاراً في قيصري أيضاً، تتشكل التضاريس على هيئة حوض من تربة كلسية، وتزدهر فيها أشجار الصنوبر الأسود (التي تشكل الغطاء الرئيسي)، إلى جانب الصنوبر الأحمر والشوح والأرز والحور المرتعش والعرعر. ويوجد في موقع سوغوق بينار داخل هذه الغابة مساحة مناسبة للتخييم والاستراحة.

ومن أبرز المعالم المائية شلالات كابوزباشي، الواقعة أيضاً في قيصري على ارتفاع 730 متراً. تضم المنطقة سبعة شلالات، أكبرها يهبط من ارتفاع 86 متراً، وتتميز بغزارة تدفقها في وادٍ على شكل حرف V، حيث تتغذى من مياه الثلوج والأنهار الجليدية القادمة من منطقة يدي غولر. 

وتبعد الشلالات نحو 80 كيلومتراً عن ياحيالي، و190 كيلومتراً عن مركز قيصري، و50 كيلومتراً عن قضاء ألاضغ، و150 كيلومتراً عن أضنة، و160 كيلومتراً عن نيغده. كما يجري نهر زامانتي بين الصخور الحادة داخل الحديقة، مقدماً تجربة مثيرة لمحبي رياضة التجديف.

أما الغطاء النباتي والحيواني فيحديقة ألاداغلار فيعكس تنوعها المناخي والطوبوغرافي. فالغابات تقتصر في معظمها على الأجزاء السفلية من وادي إملي ومضيق هاجر، حيث تنمو أشجار الصنوبر الأسود والشوح والأرز والصنوبر الإسكتلندي وأنواع السنديان. 

أما المرتفعات العليا فتقع ضمن نطاق النباتات الألبية الغنية والمتنوعة. وفي عالم الحيوان، تعيش هنا الماعز الجبلي والوشق وابن عرس وثعلب الماء والثعلب والذئب والخنزير البري والأرانب، إلى جانب طيور مثل النسر الذهبي والنسر الصغير والحجل الصخري والحجل الأحمر والصقر والباشق، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الطيور الصغيرة. 

ونظراً لتراجع أعداد الماعز الجبلي بسبب الصيد غير المنظم، فقد وضعتها إدارة الحدائق الوطنية التركية تحت حماية خاصة، كما يحظى النسر الذهبي بالحماية ذاتها.

هكذا تجمع حديقة ألاداغلار الوطنية بين عظمة الجبال وهدوء البحيرات وحيوية الشلالات وثراء الحياة البرية، لتصبح وجهة مثالية لعشاق التسلق والمشي لمسافات طويلة والتخييم والتصوير ومراقبة الطبيعة. إنها دعوة مستمرة لاكتشاف جمال تركيا البري في أنقى صوره.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!