ترك برس

في قلب مدينة طرسوس العريقة، التي تقع ضمن ولاية مرسين التركية على ضفاف البحر المتوسط، ينبض مكان تاريخي وروحي فريد يجسد التقاء الحضارات والأديان عبر القرون. إنها بئر القديس بولس، أو ما يُعرف بـ«ست. بول كويوسو»، أحد أبرز معالم السياحة الإيمانية والثقافية في تركيا. هذا الموقع ليس مجرد بئر قديمة، بل رمز حيّ لسيرة أحد أعظم شخصيات المسيحية، الذي ولد في هذه الأرض ونشر رسالته في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. ومع انطلاق مشاريع الحفاظ على التراث التي تقودها وزارة الثقافة والسياحة التركية، أصبحت هذه البئر وجهة للحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم، تروي قصة الإيمان والعلم والتاريخ في آن واحد.

تُعد طرسوس، المدينة التي احتضنت ولادة القديس بولس في أوائل القرن الأول الميلادي، إحدى أهم المدن الرومانية في كيليكيا القديمة. وُلد بولس، الذي كان يُدعى شاول آنذاك، في أسرة يهودية أرستقراطية تتمتع بحق المواطنة الرومانية، وهو امتياز نادر ونفيس في تلك الحقبة. كانت طرسوس آنذاك مركزاً ثقافياً مزدهراً يضم مدارس فلسفية راقية، فتلقى بولس تعليمه الأولي فيها قبل أن يتوجه إلى القدس لإكمال دراسته. هناك بدأ رحلته الفكرية، فوقف في البداية ضد المسيحية الناشئة، ثم تحولت حياته جذرياً بعد رؤيته للمسيح في الطريق إلى دمشق، ليصبح أحد أبرز المبشرين والدعاة. نظم ثلاث رحلات تبشيرية كبرى جاب فيها أراضي الإمبراطورية الرومانية، وكتب رسائل أصبحت من أثمن وثائق الأدب المسيحي والتاريخ الأثري. يُعتبر اليوم، إلى جانب القديس بطرس، من مؤسسي الكنيسة، ويُلقب بـ«رسول طرسوس» أو «المبشر»، ويحتل مكانة رفيعة بين قديسي المسيحية. استشهد في روما حوالي عام 60 ميلادية، لكن إرثه استمر خالداً في الإنجيل وفي قلوب المؤمنين.

تقع بئر القديس بولس في حي قيزيلمورات بمركز مدينة طرسوس، داخل فناء يُعتقد أنه كان منزل العائلة التي نشأ فيها. تبعد حوالي 200 متر شمال شرق الشارع القديم (الطريق الروماني القديم)، ويصل عمقها إلى نحو 18 متراً (وتشير بعض المصادر إلى أرقام أعلى تصل إلى 30 أو 38 متراً بحسب قياسات مختلفة). بُنيت البئر من حجارة مقطوعة مستطيلة الشكل، فوهتها دائرية بينما جسمها مربع، وقد استُخدمت بقايا موقع قديم هنا كمكان زيارة لقرون طويلة. يؤمن المسيحيون بقدسية مائها وقدرته الشافية، فيتوقف عنده الحجاج في طريقهم إلى القدس ليشربوا منه. كشفت الحفريات الأثرية التي أجرتها مديرية متحف طرسوس عن طبقات ثقافية تعود إلى عصر القديس بولس نفسه، بالإضافة إلى آثار رومانية وبيزنطية وعثمانية، مما يؤكد استمرارية الاستيطان في المنطقة عبر العصور.

في عام 2000، أدرجت وزارة الثقافة والسياحة التركية البئر ومحيطها ضمن مشروع السياحة الإيمانية وتحسين الشوارع، فنُفذت أعمال تنظيم بيئي واستملاك، وأُجريت حفريات أثرية أسفرت عن اكتشاف بقايا معمارية حُميت بسقوف زجاجية لحمايتها من العوامل الجوية. أصبح الموقع اليوم مفتوحاً للزوار المحليين والأجانب على مدار الأسبوع، ويجذب أعداداً كبيرة من الحجاج المسيحيين والسياح المهتمين بالتاريخ. إلى جانب البئر، تقع كنيسة القديس بولس (المتحف التذكاري) القريبة، التي بُنيت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر وأُعيد ترميمها في 1862، وافتتحت كمتحف تذكاري عام 2001 بعد أعمال ترميم شاملة. وقد أُدرج الموقع تحت اسم «كنيسة القديس بولس وبئره والمحيط التاريخي» في القائمة المؤقتة لمواقع التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2000، مما يعزز مكانته كتراث إنساني مشترك.

يُسهّل زيارة هذا المعلم وغيره من المواقع التاريخية في المنطقة «بطاقة المتحف المتوسطية» (Museum Pass The Mediterranean)، التي تتيح الدخول إلى أكثر من 40 متحفاً وموقعاً أثرياً تابعاً لوزارة الثقافة والسياحة في ولايات أنطاليا ومرسين وأضنة ودنيزلي لمدة سبعة أيام مقابل 90 يورو. وتجدر الإشارة إلى أن هذه البطاقة لا تشمل زيارات المتاحف الليلية. تُعد البئر جزءاً من شبكة المواقع التي تديرها المديرية العامة للآثار والمتاحف، ويمكن الوصول إليها بسهولة من وسط طرسوس، حيث تتوفر معلومات محدثة عبر المواقع الرسمية للوزارة ومديرية متحف طرسوس.

هكذا تظل بئر القديس بولس شاهداً حياً على عمق الروابط التاريخية بين الأناضول والمسيحية العالمية. إنها ليست مجرد مكان زيارة، بل جسر يربط الماضي بالحاضر، يدعو الزائر إلى التأمل في رحلة إنسان تحول من مضطهد إلى رسول، وفي أرض أنجبت شخصيات غيرت مجرى التاريخ. ومع استمرار جهود الحماية والترميم، يبقى هذا الموقع رمزاً للتراث المشترك الذي يستحق الاكتشاف والاحترام من الجميع.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!