
ترك برس
بدأت تركيا مؤخراً تطبيق نظام التسعير التدريجي للغاز الطبيعي المستخدم في المنازل، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم الدعم الحكومي المخصص للطاقة، وربط قيمة الفواتير بمعدلات الاستهلاك الفعلية، بما يضمن توجيه الدعم بصورة أكبر إلى الأسر ذات الاستهلاك المنخفض والمتوسط، ويحد من استفادة أصحاب الاستهلاك المرتفع من التعرفة المدعومة.
ويأتي النظام الجديد في إطار مساعي الحكومة التركية إلى تخفيف الأعباء المالية الناجمة عن دعم أسعار الطاقة، وتشجيع المواطنين على ترشيد استهلاك الغاز الطبيعي، خصوصاً خلال فصل الشتاء الذي يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على التدفئة المنزلية.
كيف سيُطبق نظام التسعير الجديد؟
يعتمد النظام على تحديد سقف شهري لاستهلاك الغاز الطبيعي لكل أسرة، على أن يختلف هذا السقف من ولاية إلى أخرى، تبعاً للظروف المناخية ومعدلات الاستهلاك المرتبطة بفصول السنة.
وبموجب الآلية الجديدة، ستواصل الأسر التي لا تتجاوز الحد المحدد الاستفادة من الدعم الحكومي المرتفع، بينما ستخضع الأسر التي تتجاوز سقف الاستهلاك لتعرفة أعلى تُطبق على كامل كمية الغاز المستهلكة خلال الشهر، وليس فقط على الكمية التي تتجاوز الحد المسموح.
ويُعد هذا التفصيل من أبرز جوانب النظام الجديد، إذ إن تجاوز السقف المحدد قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في قيمة الفاتورة الشهرية، حتى وإن كانت الزيادة في الاستهلاك محدودة.
أسعار مختلفة بحسب مستوى الاستهلاك
وفقاً للتفاصيل المعلنة للنظام، يبلغ سعر الجملة المعتمد للغاز الطبيعي في الشريحة الأولى 10.625 ليرات تركية للمتر المكعب، مقابل 18 ليرة تركية للمتر المكعب في الشريحة الثانية، دون احتساب الضرائب ورسوم التوزيع.
ويعني ذلك وجود فارق واضح بين السعرين، ما قد ينعكس بصورة مباشرة على فواتير المنازل التي تتجاوز حدود الاستهلاك المعتمدة.
ومع ذلك، فإن هذه الأسعار لا تمثل بالضرورة القيمة النهائية التي سيدفعها المشتركون، نظراً إلى وجود عناصر إضافية تدخل في احتساب الفواتير، من بينها الضرائب وتكاليف التوزيع.
نحو 12% من المشتركين قد يتأثرون بالنظام
تشير التقديرات إلى أن نظام التسعير التدريجي سيشمل نحو 12% من المشتركين المنزليين في الغاز الطبيعي، وهم الفئة التي يُتوقع أن تتجاوز حدود الاستهلاك المحددة وفق المعايير الجديدة.
وفي المقابل، يُنتظر أن تستمر غالبية الأسر ضمن نطاق الاستهلاك المدعوم، ما يعني أن تأثير النظام لن يكون متساوياً على جميع المشتركين.
ويتضمن النظام استثناءات لبعض الفئات، من بينها عائلات الشهداء والمحاربون القدامى المشمولون بالقرار، إلى جانب عدد من المؤسسات الدينية، بما يراعي أوضاعها الخاصة وطبيعة استهلاكها.
لماذا تتجه تركيا إلى التسعير التدريجي؟
تسعى تركيا من خلال هذا الإجراء إلى جعل الدعم الحكومي أكثر ارتباطاً بحجم الاستهلاك، بدلاً من تقديم مستويات متقاربة من الدعم لجميع المشتركين بغض النظر عن كمية الغاز المستخدمة.
ومن المتوقع أن يسهم النظام في تقليل حجم الدعم الموجه إلى الأسر الأعلى استهلاكاً، الأمر الذي قد يساعد على تخفيف الضغط على الميزانية العامة وإعادة توزيع الموارد المالية بصورة أكثر استهدافاً.
كما تراهن هذه السياسة على تشجيع المواطنين على تبني ممارسات أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، مثل تحسين العزل الحراري للمنازل، وضبط درجات حرارة التدفئة، والحد من الاستهلاك غير الضروري للغاز الطبيعي.
مخاوف من ارتفاع الفواتير على العائلات الكبيرة
على الرغم من الأهداف الاقتصادية للنظام، تبرز مخاوف بشأن تأثيره المحتمل على بعض الأسر التي ترتفع حاجتها إلى الغاز الطبيعي لأسباب لا ترتبط بالضرورة بالإسراف في الاستهلاك.
ومن أبرز الفئات التي قد تتأثر العائلات الكبيرة التي تقيم في منازل واسعة أو تضم عدداً كبيراً من الأفراد، إضافة إلى سكان المباني القديمة أو ضعيفة العزل الحراري، حيث تحتاج هذه المنازل إلى كميات أكبر من الغاز للحفاظ على درجات حرارة مناسبة خلال الشتاء.
وقد تواجه بعض الأسر محدودة الدخل ارتفاعاً في فواتيرها إذا تجاوزت السقف المحدد، رغم أن استهلاكها المرتفع قد يكون نتيجة الظروف المعيشية أو المناخية وليس بسبب الاستخدام المفرط للطاقة.
كذلك، فإن اختلاف درجات الحرارة بين الولايات التركية يجعل احتياجات التدفئة متفاوتة بصورة كبيرة، إذ تحتاج المناطق الأكثر برودة إلى استهلاك كميات أعلى من الغاز مقارنة بالمناطق الساحلية والمعتدلة.
ولهذا، يكتسب تحديد سقوف الاستهلاك وفقاً لكل ولاية وفصل أهمية خاصة في مدى قدرة النظام على مراعاة الفروق المناخية والاحتياجات الفعلية للأسر.
ما الذي يجب على المشتركين الانتباه إليه؟
مع بدء تطبيق الآلية الجديدة، تزداد أهمية متابعة الاستهلاك الشهري للغاز الطبيعي، ومعرفة السقف المعتمد في الولاية التي يقيم فيها المشترك، خصوصاً أن تجاوز هذا الحد قد ينقل كامل الاستهلاك إلى التعرفة الأعلى.
كما يُتوقع أن يدفع النظام مزيداً من الأسر إلى البحث عن وسائل للحد من استهلاك الطاقة، ولا سيما خلال أشهر الشتاء، بهدف تجنب الانتقال إلى الشريحة الأعلى وما يترتب عليها من زيادة في النفقات الشهرية.
بين ضبط الإنفاق وحماية الأسر
يمثل نظام التسعير التدريجي للغاز الطبيعي تحولاً في طريقة توزيع الدعم الحكومي للطاقة في تركيا، إذ ينتقل التركيز من دعم الاستهلاك بصورة عامة إلى تقديم دعم أكبر للأسر التي تبقى ضمن حدود محددة.
وبينما تستهدف الحكومة خفض كلفة الدعم وتشجيع الاستخدام الأكثر كفاءة للغاز الطبيعي، ستظل انعكاسات النظام على العائلات الكبيرة وذوي الدخل المحدود من أبرز الجوانب التي تستحق المتابعة.
ومن المنتظر أن تتضح الآثار المالية للنظام بصورة أكبر مع صدور الفواتير وفق التعرفة الجديدة، خاصة خلال الأشهر الباردة التي يرتفع فيها استهلاك الغاز الطبيعي للتدفئة المنزلية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










