ترك برس

أعاد اعتقال معراج أورال، المعروف أيضًا باسم علي كيالي، والمتهم بالتورط في مجازر بحق مدنيين في سوريا وتفجيرات الريحانية جنوبي تركيا، تسليط الضوء على علاقته التاريخية بزعيم تنظيم "PKK" عبد الله أوجلان، والدور الذي أداه في ربط التنظيمات اليسارية المسلحة بأجهزة نظام حافظ الأسد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وتشير شهادات وتصريحات سابقة لأورال، إلى جانب تقارير صحفية سورية وتركية، إلى أن العلاقة بين الرجلين لم تقتصر على التقارب الأيديولوجي، بل شملت اتصالات مباشرة وتعاونًا سياسيًا وتنظيميًا خلال سنوات إقامتهما في سوريا، التي وفرت آنذاك ملاذًا لعدد من التنظيمات المسلحة المناوئة لتركيا.

وجاء تجدد الاهتمام بهذه العلاقة عقب إعلان السلطات السورية، في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اعتقال أورال في عملية قالت إنها نُفذت بالتنسيق مع الاستخبارات التركية، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم ارتُكبت خلال حكم بشار الأسد، فضلًا عن اتهامات تركية بصلته بتفجيرات الريحانية عام 2013.

من التنظيمات اليسارية إلى العلاقة مع أوجلان

بدأ أورال نشاطه السياسي والمسلح في تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي، ضمن تنظيم «جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري – العاجلون» (THKP-C/Acilciler)، وهو أحد التنظيمات اليسارية المسلحة التي نشطت في تلك المرحلة.

وبعد اعتقاله في تركيا أواخر السبعينيات، تمكن من الفرار إلى سوريا مطلع الثمانينيات، حيث أقام علاقات وثيقة مع دوائر أمنية وسياسية تابعة لنظام حافظ الأسد، وحصل لاحقًا على الجنسية السورية، ليُعرف أيضًا باسم علي كيالي.

وخلال الفترة نفسها، كان عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني المصنف تنظيمًا إرهابيًا في تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يقيم في سوريا، مستفيدًا من وجوده هناك في إدارة نشاط تنظيمه وتطوير علاقاته الإقليمية.

ووفق تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية «سانا» في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أدى أورال دور الوسيط بين نظام حافظ الأسد وأوجلان، الذي كانت تربطه به علاقات سابقة، مستفيدًا من صلاته بالأجهزة الأمنية السورية.

أورال يتحدث عن علاقته بزعيم PKK

لا تستند المعلومات المتعلقة بقرب الرجلين إلى روايات خصومهما وحدها؛ إذ تحدث أورال نفسه في تصريحات وكتابات سابقة عن علاقته بأوجلان، واصفًا إياها بعلاقة صداقة وتضامن امتدت سنوات طويلة.

وفي مادة نشرها باسمه عام 2010 على موقع مرتبط بتاريخ تنظيم «العاجلون»، تحدث أورال عن وجود روابط وثيقة بين تنظيمه وحزب العمال الكردستاني، مشيرًا إلى سنوات من التواصل والتضامن بين الطرفين.

كما أشار إلى اتصالات شخصية جمعته بأوجلان، واستعاد في كتاباته مواقف قال إنها عكست استمرار العلاقة حتى بعد مغادرة زعيم حزب العمال الكردستاني سوريا عام 1998.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية لكونها صادرة عن أورال نفسه، لكنها تبقى روايته الشخصية لطبيعة العلاقة، ولا تشكل بمفردها دليلًا على وجود قيادة عملياتية مشتركة أو مسؤولية متبادلة عن الهجمات المنسوبة إلى أي من التنظيمين.

النظام السوري حلقة الوصل بين الطرفين

شكّل نظام حافظ الأسد عاملًا محوريًا في العلاقة بين أورال وأوجلان، إذ استضافت سوريا خلال الثمانينيات والتسعينيات قيادات وعناصر من حزب العمال الكردستاني، في وقت كانت تشهد فيه العلاقات السورية التركية خلافات بشأن ملفات أمنية وحدودية ومائية.

وسمحت هذه البيئة بتقاطع نشاط تنظيم «العاجلون» مع حزب العمال الكردستاني، رغم اختلاف بنيتهما التنظيمية وأهدافهما المباشرة.

واستمر وجود أوجلان في سوريا حتى عام 1998، عندما أدى تصاعد الضغوط التركية إلى مغادرته البلاد، قبل أن توقع دمشق وأنقرة اتفاق أضنة الأمني في 20 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

ونص الاتفاق على وقف أنشطة حزب العمال الكردستاني في الأراضي السورية، ومنع توفير الدعم اللوجستي والعسكري له، وعدم السماح لأوجلان بالعودة إلى سوريا.

من العلاقة التنظيمية إلى اتهامات المجازر

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، برز أورال مجددًا بوصفه قائدًا لمجموعة مسلحة موالية لنظام بشار الأسد، عُرفت باسم «المقاومة السورية – الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون»، ونشطت خصوصًا في المناطق الساحلية.

وارتبط اسم أورال باتهامات بالمشاركة في مجازر البيضا ورأس النبع بمدينة بانياس، التي وقعت في الثاني والثالث من مايو/أيار 2013.

ووثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» مقتل ما لا يقل عن 248 شخصًا في المجزرتين، بينهم نساء وأطفال، مشيرة إلى أن قوات حكومية ومجموعات موالية لها نفذت عمليات إعدام ميدانية بحق مدنيين بعد انتهاء الاشتباكات.

غير أن تقرير المنظمة، الذي وثق مسؤولية القوات الحكومية والمجموعات الموالية لها، لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية الفردية لأورال، وهو أمر يتطلب تحقيقات وأدلة قضائية مستقلة.

وفي تركيا، يواجه أورال اتهامات مرتبطة بتفجيري الريحانية بمحافظة هاتاي في 11 مايو/أيار 2013، اللذين أسفرا عن مقتل 53 شخصًا.

وشهدت القضية تطورات قضائية في يونيو/حزيران 2026، عندما أصدرت محكمة تركية أحكامًا بالسجن المؤبد المشدد بحق ثلاثة متهمين، في إطار محاكمة شملت أورال وآخرين. وكان أورال قد نفى سابقًا صلته بالهجمات.

ولا تتوافر في المصادر التي جرت مراجعتها أدلة تثبت مشاركة أوجلان أو إصدار حزب العمال الكردستاني تعليمات بشأن مجازر بانياس أو تفجيرات الريحانية.

الاعتقال يعيد فتح ملف العلاقات القديمة

وأعاد اعتقال أورال في أكتوبر/تشرين الأول 2026 طرح التساؤلات بشأن شبكة علاقاته السابقة، ولا سيما دوره في التواصل بين أجهزة نظام الأسد والتنظيمات المسلحة المناوئة لتركيا.

وبينما أعلنت السلطات السورية توقيفه خلال محاولة فرار عبر الحدود، نقلت تقارير أخرى روايات مختلفة عن ظروف احتجازه ونقله من لبنان إلى سوريا، وهو ما أثار تحقيقًا لدى السلطات اللبنانية.

وتشير المعلومات المتاحة إلى وجود علاقة شخصية وسياسية ممتدة بين أورال وأوجلان، وإلى دور للأول في التواصل بين زعيم حزب العمال الكردستاني والنظام السوري السابق.

لكن تحديد طبيعة التعاون العملياتي بين الرجلين، ومدى ارتباطه بأي جرائم لاحقة، يظل مسألة منفصلة عن إثبات وجود العلاقة التاريخية، ويتطلب وثائق وشهادات وأدلة إضافية.

وبذلك، يفتح توقيف أورال مسارين متوازيين: أولهما التحقيق في الاتهامات المتعلقة بالجرائم المنسوبة إليه في سوريا وتركيا، وثانيهما استجلاء طبيعة شبكة علاقاته الأمنية والتنظيمية خلال العقود التي أمضاها تحت حماية نظام الأسد، بما فيها علاقته بعبد الله أوجلان.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!