محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

انعكس الانقلاب العسكري سنة 1960 والذي كان تتويجًا لحركة بدأها بعض  الشباب من المدنيين والعسكريين وجلبت معها اتجاهات نخبوية متعددة في دستور عام 1961، فقد تم إعداد هذا الدستور من قبل مجلس الوحدة القومي بالاشتراك مع مجلس شبه تمثيلي يتسم بطبيعة نخبوية لم ينتخب أعضاؤها عن طريق الاقتراع العام وإنما تم اختيارهم من قبل مجالس علمية وثقافية، وأيضًا من قبل جمعيات حقوقية وسياسية أكاديمية. تم تكليف الدكتور صادق سامي أونر رئيس جامعة إسطنبول لترأس لجنة كتابة مسودة الدستور الذي جرى الاستفتاء عليه في 9 تموز/ يوليو 1961 بنسبة 61.7 بالمئة لصالح الدستور. وهذا الدستور الجديد أطول من الدساتير التي سبقته، وحجمه مُتناسب مع دساتير العالم، ويتكون من 157 مادة أساسية و11 مادة مؤقتة، ويتضمن جزءًا خاصًا بالمقدمة. وهو ضمن الدستور، ويوجز التوجه الديمقراطي والاجتماعي لعموم مواد الدستور. أما الاختلاف الآخر بينه و بين الدساتير الأخرى فهو وجود هوامش توضح موضوع المواد والارتباط بينها. وهذا لا يقع ضمن نص الدستور. ويتميز هذا الدستور عن دستور 1924 الأصلي والمعدل لاحقا في عام 1945 بما يلي:

1- حذف مبدأي الدولية والانقلابية من المادة الثانية من الدستور فأصبحت تحتوي فقط أربع مبادئ هي الجمهورية والقومية والعلمانية والشعبية.

2- السماح بتشكيل أحزاب سياسية وكذلك السماح بالإضراب وإعطاء الحرية للصحافة وحرية استقلال الجامعات.

3- أصبح المجلس الوطني التركي مؤلفًا من مجلسين مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

4- إنشاء المحكمة الدستورية وهذا ما تميز به دستور 1961 عن دستور 1924، من خمسة عشر عضوًا وخمسة أعضاء احتياط ويشترط في هذا العضو أن يكون قد أتم الأربعين من عمره وأن يكون قد زاول مهنة المحاماة خلال خمسة عشر عامًا، أو قام بتدريس القانون أو الاقتصاد أو العلوم السياسية بالجامعة لمدة خمس سنوات على الأقل، أو كان رئيسًا أو عضوًا أو مقررًا أو مدعيًا عامًا أمام محكمة النقض أو مجلس الدولة أو محكمة النقض العسكرية أو ديوان المحاسبة.

5- نصت المادة 143 على تشكيل مجلس القضاء الأعلى الذي يتكون من 18 قاضيًا أصليًا وخمسة قضاة احتياط، وينتخب ستة من هؤلاء الأعضاء من قبل محكمه النقض وستة آخرون يختارهم قضاة الدرجة الأولى من بينهم بالاقتراع السري، وينتخب كل من أعضاء مجلس الأمة ومجلس الشيوخ بالأغلبية المطلقة وبالاقتراع السري ثلاثة أعضاء من بين من تولوا منصب القضاء في المحاكم العليا، وينتخب بهذه الطريقة عضوان احتياط من قبل الدوائر المجتمعة لمحكمة النقض وينتخب مجلس القضاء الأعلى رئيسه من بين أعضائه بالأغلبية المطلقة. أما وظائف واختصاصات مجلس القضاء الأعلى فهي في نص المادة 144: "يختص مجلس القضاء الأعلى في الفصل بكل ما يتعلق بأهلية القضاة ويصدر قرارإعفاء القاضي من وظيفته لأي سبب من الأسباب فالأغلبية المطلقة للجمعية العمومية ويجوز لوزير العدل إذا رأى ضرورة لذلك أن يطلب من مجلس القضاء الأعلى اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد أحد القضاة، وتشترط موافقة مجلس القضاء الأعلى لإلغاء محكمة أو وظيفة من وظائف القضاء أو تعديل اختصاصات إحدى المحاكم، ويتولى الرقابة على القضاة أعضاء من درجة أعلى يعينهم مجلس القضاء الأعلى في حالات معينة.

6- تأسيس مجلس الأمن القومي وفق المادة 111 من الدستور الذي يترأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه في غيابه رئيس الوزراء ويضم رئيس الأركان العامة وقادة الأسلحة الثلاثة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والقائد العام لقوات الأمن (الجندرمة) ويمكن دعوة آخرين من الوزراء أو غيرهم لحضور بعض اجتماعاته طبقًا لجدول أعماله. ويختص المجلس بالمهام التالية:

أ- بحث الشؤون المتعلقة بالأمن القومي للدولة.

ب- التنسيق بين الأركان العامة ووزارة الدفاع والمؤسسات العسكرية الأخرى.

ج- تقديم التوصيات المتعلقة بالأمن القومي إلى مجلس الوزراء.

د- تقديم المقترحات والتوجيهات المباشرة إلى المعنيين لغرض صيانة امن البلاد الداخلي والخارجي.ثم صدر قانون مكمل للمادة 111 في آذار 1962 أعطى للمجلس وسلطته في رسم سياسة الدولة من خلال المشاركة في مشاورات مجلس الوزراء عن طريق الاستشارات المنتظمة والمشاركة في المناقشات التمهيدية.

أصبحت المؤسسة العسكرية التركية بعد الانقلاب مؤسسة مستقلة تمامًا عن أي هيمنة أخرى في تركيا بل وأصبحت القيادة العامة جزءًا لا يتجزأ من النظام السياسي التركي، فبحكم الدستور أصبحت المؤسسة العسكرية تدار من قبل مجلس الأمن القومي، والذي يضم بالإضافة إلى رئيس الأركان العامة للجيش قادة القوات البرية والبحرية والجوية وقائد الجندرمة ورئيس جهاز المخابرات العامة والمخابرات العسكرية، ويترأس المجلس رئيس الجمهورية وينوب عنه رئيس الوزراء.

هذا التشكيل وبالإضافة إلى المادة الدستورية والقانونية الملحق بعمل مجلس الأمن القومي قد حوله إلى مجلس مهيمن ومراقب للمؤسسة الحكومية والسياسية وليس العكس كما هو معمول به في البلدان الأخرى. هذه الصلاحيات التي مُنحت له جعلته حرًا في التدخل الفوري المباشر في الشؤون السياسية إذا ما قدر قادة المجلس أن الحكومة أو زعماء الأحزاب قد سلكوا طريقا غير طريق الأتاتوركية وفلسفتها.

من ناحية أخرى اكتسبت القوات المسلحة خصوصية واضحة عندما وضعت تشريعات جديدة عملت على تحسين الوضع الاقتصادي للعسكريين حيث تمت المصادقة على قانون تأسيس جمعية الجيش للتعاون المتبادل حيث تستثمر 20 بالمئة من راتب الضابط في جميع فروع الاقتصاد عن طريق هيئة مختصة تتولى إدارة شؤونها مرتبطة بوزارة الدفاع وتسمى هذه الجمعية بـ (اوياك) اختصارًا وأصبحت اوياك من أوسع الجمعيات المختلطة التكوين ووصفت بأنها القطاع الثالث.

وقد أسهمت اوياك في العديد من الشركات والمصانع ومنها الأسهم الكبيرة في شركة صناعة المكائن التركية ومصانع البتروكيمياويات ومعامل الاسمنت وحتى شركة سيارات رينو الفرنسية. كان الهدف المعلن لمؤسسة اوياك هو حماية أفراد القوات المسلحة ورعايتهم وذلك لغرض تحسين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي وأسست أسواق الجيش على غرار حوانيت الجيش البريطانية والأمريكية. تقوم بتوفير السلع للقوات المسلحة بأسعار منخفضة.

وكما ذكرنا فإن مجلس الشعب التركي هو برلمان مُكوَن من مجلسين هما مجلس الشعب، و مجلس الشيوخ. يتكون مجلس الشعب من 450 عضو يتم انتخابهم بتصويت عام، ويتشكل مجلس الشيوخ من 150 عضوًا يتم انتخابهم بتصويت عام أيضًا (وهذا ماميز هذا الدستور عن دونه من الدساتير السابقة وأيضا عن دستور 1982 اللاحق). تُجرى انتخابات مجلس الشعب كل أربع سنوات، أمَّا انتخابات مجلس الشيوخ فتُجرَى كل ست سنوات و ذلك بمُقتضى المادة رقم 73 من الدستور. تقع السُلطة التنفيذية مثلما تضمن الدستور في يد مجلس الوزراء المُشكل من رئيس الجمهورية ووزراء الحكومة ورئيسها. فطبقًا للدستور و للقوانين تقع السُلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ينتخب مجلس الشعب التركي رئيس الجمهورية من بين أعضائه المُتجاوزين سن الأربعين والمُتعلِمين تعليمًا عاليًا، بتصويت سري، ولمدة سبعة أعوام، و بموافقة أغلبية أعضاء المجلس أي الثلثين، فإذا لم يُمكن تحقيق هذه الأغلبية في التصويت الأول أو الثاني يُكتفَى بها في التصويتات اللاحقة فقط. أمَّا مجلس الوزراء فيتشكل من الوزراء ورئيسهم. يُعيِّن رئيس الجمهورية رئيس الوزراء من بين أعضاء البرلمان التركي. ويختار رئيس الحكومة الوزراء من بين مَن يحظون بالكفاءة الانتخابية من أعضاء مجلس الشعب أو ممثلي الأمة ثم يعينهم رئيس الجمهورية وذلك بمُقتضى المادة رقم 102 من الدستور. وبهذا الشكل يجب أن يحصل مجلس الوزراء على تصويت الثقة من مجلس الشعب.

أما المستحدث من الهيئات العليا فهو تأسيس محكمة دستورية وظيفتها جعل القوانين متوافقة مع نصوص المواد الدستورية وكذلك التأكد من الإجراءات الإدارية داخل المجلس عند سن القوانين ونسبة التصويت وكلا حسب نوعية القوانين.

إن انقلاب عام 1960 وما نتج عنه من إجراءات وأهمها دستور 1962 هو مثال آخر على قوة المؤسسة العسكرية التركية. وأن وصول رجال الحزب المدنيين إلى السلطة قد أفضى إلى تعادل الكفة بين قوة العسكر وقوة مؤسسات الدولة المدنية وهذا بالطبع أدى إلى تحجيم صلاحيات وامتيازات رجال الجيش، وباعتبار أن المؤسسة العسكرية لها الفضل الأول في بناء الدولة التركية الحديثة، فلذلك فإن أية إجراءات اتخذتها الدولة المدنية للصالح العام اعتبرت بمثابة تهديد مباشر على جدران الحصن المنيع للأتاتوركية العلمانية وحاميها المؤسسة العسكرية.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس