محمد حسن القدو - خاص ترك برس

تنعقد قمة دول العشرين في مدينة أنطاليا التركية في ظروف استثنائية سياسية وعسكرية بالغة التعقيد بين الدول المشاركة في القمة، بدءًا من النزاع بين الدول الغربية وروسيا حول  شبه جزيرة القرم ومرورا بالأزمة السورية والأزمة اليمنية والاتفاق النووي الإيراني مع الغرب.

إلا أن بعض هذه الأزمات كانت قد أثيرت في القمة السابقة لدول العشرين والتي انعقدت في أستراليا عام 2014، وشهدت انتقادات شديدة للجانب الروسي وخصوصا حول أزمة جزيرة القرم، وحاولت روسيا في القمة بشتى الطرق تقليص الفجوة بينها وبين الدول الغربية تارة أو تغيير مسار المحادثات بين أطراف القمة خوفا من التصدعات المحتملة مع بعض الدول التي كانت لها مواقف صريحة وأخرى غير معلنة تجاه التدخل الروسي في أوكرانيا الشرقية. فقد سبق الافتتاح الرسمي لقمة "بريسبين" في أستراليا لقاء غير رسمي ضم قادة دول مجموعة "بريكس" والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وعلى أثر الاجتماع صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ترأس هذه المجموعة في تلك الفترة بأن القيادة الروسية تحضر مشاريع شراكة اقتصادية وخارطة طريق للتعاون الاستثماري مع دول مجموعة بريكس، موضحا بأن جهود روسيا ستكون منصبة على استمرار توسيع التعاون في إطار المجموعة.

وعليه فهم المغزى الحقيقي للطلب الروسي من الاجتماع التشاوري بين تلك الدول والتي سبقت الافتتاحية لقمة بريسبين، ألا وهو دعم المشروع الروسي الخاص بتوجيه الإطار العام للقمة باتجاه السياسات الاقتصادية وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي بين دول العشرين.

إلا أن المحاولات الروسية انغمرت في المياه الأسترالية تحت وطأة وعنف الردود الغربية على الموقف السياسي الروسي من الأزمة الأوكرانية وبضمها المزعوم لشبه جزيرة القرم وعملياتها العسكرية التي أدت إلى زعزعة الاستقرار في شرق أوكرانيا. وشاركت أستراليا الدولة المضيفة بريطانيا وكندا في توجيه الانتقاد العنيف للمواقف الروسية حول الأزمة، ووصفت الموقف الروسي بأنه تهديد للسلم العالمي وبأنها ترغب في إعادة الأمجاد الضائعة لروسيا القيصرية والاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى مغادرة الرئيس بوتين المؤتمر حتى قبل إصدار البيان الختامي للقمة.

هذه الدول مجتمعة كانت قد اختارت التنديد المباشر بروسيا، أما الولايات المتحدة فكان لها موقف آخر وهو التحذير المبطن للعلاقات الدولية مع روسيا محذرة إياها من انتهاك اتفاق مينسك.

أما قمة أنطاليا تركيا والتي تنعقد اليوم فهي أيضا مليئة بالمفاجآت فقضية شبه جزيرة القرم لا زالت قائمة حتى وإن سرقت منها الأضواء نحو سوريا واليمن، وهاتان الدولتان بتعقيداتها لا تقلان شأنا عن تعقيدات قضية القرم بل، إن التدخل الروسي في سوريا جاء بعد أن آتى تدخلها في القرم أكله، وحسب ما رأته واعتقدته القيادة الروسية.

هذه القمم وإن غلب على برامجها ومناقشاتها الطابع الاقتصادي العالمي، بدأت تتحول تدريجيا نحو القضايا السياسية الاستراتيجية الحيوية، ولهذا فإن الضغط الأوروبي والأمريكي على روسيا باق بل ستزداد حدته في هذه القمة - ولكن الروس وكما هو معلوم يدركون تماما حجم الضغط الذي يسلط عليهم في هذه القمة، فهم سيحاولون من جديد جذب واستدراج المناقشات نحو رأس المال وإعطاء الكثير من الوعود لمشاريع مستقبلية قد تساعد على ردم الهوة بين الأطراف المشاركة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن مكافحة الإرهاب قد تكون عاملا آخر من عوامل ردم الهوة بين المجتمعين، وخصوصا بعد أحداث باريس الدموية.

وهذا ما تتأمله روسيا وما ترغب فيه في سبيل امتصاص نقمة الأعضاء المشاركين في المؤتمر، وعلى الأقل طيلة فترة انعقاد المؤتمر، وتجنب ما حدث في مؤتمر أستراليا، والذي أدى إلى انسحاب الرئيس من المؤتمر قبل إلقاء البيان الختامي.

ولكن الأيام القادمة في أنطاليا كفيلة بالمفاجآت كمفاجأة الفوزالساحق لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الماضية والتي لم يتوقعها حتى أعضاء الحزب أنفسهم.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس