محمد حسن القدّو - خاص ترك برس

بعد سنين من الاعتماد على دستور 1982 توالت الإخفاقات على الأنظمة التركية بسبب هذا الدستور غير المعالج للكثير من المشاكل المتراكمة في تركيا والمشاكل التي بدأت تظهر لاحقا بسبب عدم استيعابه للكثير من المتطلبات المدنية الضرورية. كانت التعديلات التي حصلت في تركيا بعد مجيء حزب العداله والتنمية ثمره من ثمرات نهج حزب العدالة في الحكم، ويؤكد هذا النهج على التوفيق بين مختلف الاتجاهات فضلا عن تحقيق التعايش الإيجابي المتفاعل في النظام والدولة.

استمرت حزمة التعديلات الدستورية وتناولت المواد الدستورية المعدلة مختلف نواحي النشاط الإنساني والرسمي الحكومي وتم تعديل أكثر من ثلثي المواد الدستورية بل إن بعضا من المواد تم تعديلها أكثر من مرة تارة بإضافة فقرة أو بحذف فقرة أو بتعديل بعض فقراتها.

إن المواد الدستورية والتي من المؤمل تعديلها في هذه الفترة وبعد فشل الانقلاب العسكري تتضمن مجلس الأمن القومي وكذلك المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين وكذلك المجلس الوطني التركي الكبير إضافة إلى إغلاق محكمة الاستئناف العسكرية والمحاكم الإدارية العسكرية العليا.  

أولى هذه التعديلات الدستورية الضرورية هي تقليص عدد الأعضاء العسكريين في مجلس الأمن القومي حيث يتم إلغاء عضوية قائد قوات الدرك (الجندرمة) من مجلس الأمن القومي بعد صدور المرسوم الجمهوري التركي بتحويل تبعية قوات الدرك من رئاسة أركان الجيش إلى وزارة الداخلية. وقد لاقى القرار المذكور تأييد ممثل الاتحاد الأوروبي ستيفانو، الذي اعتبره خطوة مهمة جدا في الحياة الديمقراطية بتحويل تبعية هذه القوات إلى الإدارة المدنية وكذلك ربط إدارة البوبات والمنافذ الحدودية بوزارة الداخلية.

ومن المعلوم أنه وبموجب المادة 111 من دستور 1961 تم تأسيس مجلس الأمن القومي الذي يترأسه رئيس الجمهورية وينوب عنه في غيابه رئيس الوزراء ويضم رئيس أركان الجيش وقادة الأسلحة الثلاثة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والقائد العام لقوات الأمن (الجندرمة).

أما المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين فمن المزمع فصله الى مجلسين يضم المجلس الأول المجلس الأعلى  للقضاة والثاني يشمل المجلس الأعلى للمدعين العامين. وقد أوضح الدستور آلية اختيار وانتخاب أعضاء المجلس المتكون من 22 عضوا أصيلا و12 عضو احتياط وأوكل الدستور وزير العدل إضافة إلى منصبه برئاسة المجلس، إضافة إلى تنسيب مستشار وزير العدل كعضو مجلس أصلي ويكون عمل المجلس بثلاث غرف (أقسام) والمسمى بالعرف القانوني المجلس الموسع، فمن المعلوم أن الدول تعتمد ثلاث أنواع من الغرف فالنوع الأول هو الغرفة الوحيدة الموسعة وهذه الصيغة هي التي تسعى إليها تركيا الآن فهي تضم كل أقسام المحاكم والنوع الثاني هي الغرف الموسعة والتي تضم من غرفتين إلى ثلاث غرف وهذا النوع هوالمعمول به الآن في تركيا والنوع الثالث والتي تسمى بالغرف العادية وتشمل كل غرفة نوعا من المحاكم كالغرفة المدنية والغرفة العقارية والتجارية والأحوال الشخصية والاجتماعية والجنائية والجنح والمخالفات والمواريث وغيرها فقد يتجاوز عدد الغرف الثمانية غرف وتصل إلى عشرة غرف في بعض مجالس محاكم بعض الدول، أما طريقة انتخاب أعضاء المجلس في تركيا فقد كانت أيضا عرضة إلى الكثير من الانتقادات.

إن طريقة تكوين وترشيح أعضاء المجلس تلقي بالكثير من الانتقادات لأن انتخاب أعضاء المجلس من قبل زملاء لهم في الموقع وهؤلاء يمثلون جميع مستويات القضاء ويتم في كثير من الأحيان انتخاب أعضاء غير مؤهلين للعضوية، وأن أكثر المنتقدين هي المجالس والهيئات الدولية وخصوصًا الأوروبية مثل لجنة البندقية والمجلس الاستشاري للقضاة الأوربيين CCJE لأن هذه الطريقة في الانتخابات تختلف كليًا عن انتخاب المجالس في الدول الأوروبية.

جاء التعديل في عام 2010 بهدف إعادة طريقة تكوين المجلس الأعلى للقضاء والمدعين العامين وفقًا للمعمول به في الدول الغربية.

وقد دعا الاتحاد الأوروبي مرارًا الحكومة التركية إلى إصلاح النظام القضائي التركي بما في ذلك هيكلة المجلس الأعلى للقضاء والمدعين العامين وكان آخرها التقرير الصادر في نيسان/ أبريل 2009 والذي عبر صفحاته الثلاثين عن انتقادات حول القضاء التركي وانتهاكاته ودعا إلى حل هذه الإشكاليات في القضاء التركي ومنها سلطة المجلس الأعلى للقضاء والمدعين العامين حيث دعا إلى مشاركة شريحة واسعة من القضاة ومن المدعين العامين في هذا المجلس.

إن الهيكلة الجديدة للمجلس بعد توسيعها ستمكنه من تمثيل السلطة القضائية برمتها بالإضافة إلى ما يتركه من آثار في الحد من هيمنة وزير العدل على قرارات المجلس. كما أدى التعديل الأخير إلى توفير ميزانية مستقلة وأمانة مستقلة بحيث يكون مرجعًا للمفتشين القضائيين وتسيطر بهذا على أعمال المفتشين القضائيين الذين كانوا تحت السيطرة المطلقة لوزراء العدل.

إلا أن المأخذ على هذا التعديل هو تهميش دور المجلس الوطني التركي في اختيار أعضاء المجلس الأعلى باعتبار المجلس الوطني هو الممثل الشرعي للشعب.

 ومن المؤكد أنه بعد فصل القضاة عن المدعين العامين بمجالس مستقلة ستكون هناك صيغ متطورة تراعي الاستقلالية في آلية انتخاب أعضاء المجلسين.

أما المحاكم التي من المؤمل أن تلغى في التعديل المرتقب للدستور فهي  محكمة الاستئناف العسكرية والمحاكم الإدارية العسكرية العليا، إن التعديل الخاص بالقضاء العسكري والذي ضمنه حزمة الإصلاحات الدستورية لعام 2010 هو لتضييق اختصاص القضاء العسكري لأن الإجراءات الديمقراطية للدولة تتجه نحو سيادة القانون المدني وجعلها متشابهة للقوانين الأوروبية والعالمية .

وأهم ما في التعديل المذكور هو عدم جواز محاكمة الأفراد المدنيين أمام المحاكم العسكرية إلا في حالة الحرب. وكذلك إلغاء التعابيرالمبهمة من فقرات المادة مثل الجريمة العسكرية أو المنطقة العسكرية أو الجريمة التي ترتكب ضد جندي من الجنود.

إنّ المؤسسة العسكرية وجهازها القضائي المتحكم هي من إحدى النقاط السلبية التي ينظر إليها من قبل الهيئات القضائية الدولية في النظام التركي.

لذا دعت هذه الهيئات عبر تقاريرها العديدة إلى إصلاح النظام القضائي العسكري بل إلى تحجيم المؤسسة والقضاء العسكري وكانت آخر التقارير هي التقرير المقدم عام 2009 والتي شملت عدة نقاط من أهمها منع هيمنة العسكر وجعل القضاء العسكري مراقبًا من قبل هيئات مدنية وبهذا التعديل لعام 2010 امكن العسكريين اعتراض أية قرارات تصدر بحقهم أمام محاكم مدنية.

لذا تم ضم محكمة الاستئناف العسكرية إلى محكمة الاستئناف المدنية العليا ، كذلك ضم المحكمة العسكرية الإدارية العليا إلى مجلس القضاء الأعلى، أي أنّ المحكمتين المذكورتين سيتم الطعن في قراراتهما أمام القضاء المدني حسب التعديل السابق.

وبالسعي إلى الغاء محكمة الأستئناف العسكرية والمحاكم العسكرية الإدارية العليا وتحويل كافة القضايا العسكرية إلى محاكم مدنية استئنافية وإدارية تكون الدولة قد أسدلت الستار عن حقبة زمنية طويلة من التاريخ تحت وصاية العسكر للأفراد والمنتسبين العسكريين.

أما عن موضوع  الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية والمزمع إجراؤها في عام 2019 إلى سنوات ثلاث على التوالي فهي وإن دونت في الدستور فهي مواد دستورية مؤقتة تلغى بانتفاء الحاجة لها بسبب الأوضاع أو تكون دائمة تضاف إليها فقرة تجنب إجراء أكثر من انتخاب واحد من هذه الانتخابات المذكورة في السنة بصورة دائمة.

أما إطالة فترة الدورة البرلمانية الانتخابية إلى خمس سنوات فلغرض جعلها متساوية مع الفترة الرئاسية إضافة إلى منح النواب فترة إضافية للاستفادة من خبراتهم المتراكمة وهذه تكون بتغيير الفقرة الأولى (تجري انتخابات الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا كل خمسة سنوات) من المادة 77 من الدستور تسلسل ج (الفصل التشريعي الاول) ضمن الجزء الثالث (الهيئات الرئاسية للجمهورية).

والملاحظ أن معظم المواد المراد تعديلها في الدستور تعزز من سلطة الإدارة المدنية السياسية وكذلك تعزز الإرادة الديمقراطية وتقوي وتعمق أسسها وهي بذلك غير موجهة إلى أية جهة سياسية أو حزبية أو مدنية بل هي ترضي طموح كل الحركات السياسية والأحزاب والنقابات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، لذا فإن الممكن أن تمرر هذه الإصلاحات والتعديلات بسهولة ويتم إقرارها من قبل البرلمان.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس