د. باسل الحاج جاسم - الحياة اللندنية

آسيا الوسطي منطقة تتصارع عليها روسيا والولايات المتحدة والصين، والآن تبدو تركيا بعيدة سياسياً عنها على رغم التقارب اللغوي والثقافي والتاريخي، وربما يعود هذا إلى أن الدولة العثمانية لم تكن لها سلطة على هذه البلاد، كما أن اهتمام صناع القرار في تركيا، في هذه الأوقات ينصب على منطقة الشرق الأوسط، القريبة جغرافياً وتاريخياً ودينياً من تركيا.

بدأت العلاقات بين روسيا وتركيا، تعود لطبيعتها بعد اللقاء الذي جــمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ســان بطرســـبرغ في آب (أغسطس) الماضي، ولعب رئيس كازاخـــستان نور سلطان نزارباييف دوراً هاماً على مدى الأشهر الثمانية الماضية في العمل كوسيط بين موسكو وأنقرة، وبوتين شكر شخصياً نزارباييف خلال لقائهما في سوتشي الشهر الفائت، لدوره كوسيط في المحادثات مع تركيا.

واكتشفت أنقرة الفائدة من وجـــود عـــلاقات ودية وثيقة للشعوب التركية مع الأعراق الأخرى في آسيا الوسطى، بما في ذلك تلك الموجودة في كازاخستان، هذه العلاقات لم تكن كاملة في مرحلة الســنوات الـ25 التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي.

كانت حكومات دول آسيا الوسطى تنظر إلى تركيا كدولة تنتمي للغرب، ويسيطر عليها التحرر الديموقراطي، وهو الشيء الذي تعتبره دول المنطقة تهديداً محتملاً لها، وحالياً من شأن تحسين علاقات تركيا مع جيرانها في آسيا الوسطى، بالتوازي مع تحسين العلاقات مع روسيا وإسرائيل، من شأنه مساعدتها على حل الكثير من القضايا العالقة الحالية مع الغرب، وتبدي دول آسيا الوسطى من جانبها رغبة في توسيع العلاقات الاقتصادية مع تركيا.

سارت العلاقات التركية مع جمهوريات آسيا الوسطى بسلاسة، ففي عام 2009، دعت كازاخستان إلى تأسيس اتحاد للدول الناطقة بالتركية، يشمل أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركيا، وتتطلع آستانة لدور القيادة فيه، رفضت أوزبكستان وتركمانستان هذه الدعوة، ولم تعترض أنقرة على هذا، مدركة أن جمهوريات آسيا الوسطى، بعد خروجها من عباءة موسكو لم تعد تريد أن يلعب أحد دور الأخ الأكبر عليها.

مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990، لم تعد جمهوريات آسيا الوسطى تحت السيطرة الروسية، ما فتح الباب أمام تركيا لزيادة النفوذ في المنطقة، ولعل أبرز التحديات كان غياب الحدود المشتركة.

كانت موسكو الروسية في تلك الحقبة منشغلة ببناء علاقات جديدة مع واشنطن، والاتحاد الأوروبي، ولم تكترث جدياً لنشاط تركيا في آسيا الوسطى. الاتحاد الأوروبي من جانبه أمل أن تكون تركيا سبباً لنشر الديموقراطية ولتعزيز مبدأ السوق الحرة، ولم ينظر بقلق للنزعة القومية التركية، بينما لم يخف بعض بلدان آسيا الوسطى قلقه من الاستراتيجية التركية، ولكن حاجتها لحجم كبير من الاستثمار (الذي لم يعد يأتي من موسكو)، جعلها تدعم ولو نظرياً رؤية أنقرة.

أرادت تركيا اتباع أسلوب القرن الـ19 لتوحيد الشعب التركي خارج الامبراطورية العثمانية في منطقة أوراسيا، تحت راية العوامل المشتركة العرقية والثقافية واللغوية المشتركة، لتحصل على نفوذ أكبر في المناطق التي سكانها كانوا ينتمون إلى الامبراطورية العثمانية.

أنشأت تركيا عام 1992 وكالة لتطوير العلاقات في مجال الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، كان هدفها البلدان الشريكة، وفي عام 1993 أنشأت وكالة أخرى كانت مسؤولة عن ترويج الفن والثقافة التركية، ومقرها الرئيسي في أنقرة، ودعت دول آسيا الوسطى (كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان)، وكذلك أذربيجان للانضمام إلى هذه المنظمة، وبالإضافة إلى ذلك، انخرطت بعض بلدان آسيا الوسطى وتركيا في العديد من الشبكات المتطورة لنقل الطاقة إلى الغرب، مثل خط نابوكو.

كانت هناك مؤسسات تركية جديدة للتعليم العالي يجري تطويرها في آسيا الوسطى في وقت مبكر من عام 1990، حيث ساد في تلك الفترة رفض الروسية، وبدأت مراكز التعليم التركية تكتسب شعبية كبيرة، وكان بعض الطلاب يذهبون للدراسة في الجامعات التركية.

وبدا واضحاً التأثير الفكري والثقافي لتركيا من خلال البث التلفزيوني في المنطقة، وظهر في أوزبكستان عام 1990، التلفزيون التركي على قدم المساواة مع التلفزيون الروسي، إلا أن المخاوف من النفوذ التركي ظهرت في أواخر التسعينات، ولا سيما في أوزبكستان.

تولت أوزبكستان موقفاً أكثر صرامة تجاه تركيا في العام 1999، حين منحت أنقرة المعارضة الأوزبكية حق اللجوء السياسي إلى تركيا، كما لاقت النزعة القومية التركية في وقت لاحق انتقادات شديدة في أوزبكستان، واستمرت علاقات أوزبكستان بتركيا فقط في المجال الاقتصادي.

تعتبر اليوم عوامل التشابه اللغوي والثقافي بين تركيا وتلك البلدان، أولوية لأي تجمع ووحدة بينها، بينما بات التشابه الديني يعتبر عاملاً ثانوياً، وتشارك دول آسيا الوسطى في مشروع طريق الحرير الصيني، مما يخلق حافزاً لعلاقات ودية لا سيما على الصعيد الاقتصادي.

لم تتراجع تركيا عن طموحها بأن تصبح واحدة من أكبر الدول تأثيراً داخل دول آسيا الوسطى، وتستمر بتحسين مواقعها وعلاقاتها مع الدول المجاورة، من هنا ينبع اهتمامها بالاتحاد الأوراسي الاقتصادي وكذلك بمنظمة شنغهاي للتعاون، وفي هذا السياق دعم بلدان آسيا الوسطى سيعزز مواقف أنقرة في المحافل الدولية.

ولكن ليس واضحاً مدى تحمس دول آسيا الوســطى للنــزعة القومية التركية، وحدها كازاخستان فقط تظهر أنها تدعم أنقرة، وكان رئيسها نزارباييف أول رئيس يزور تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، أما باقي دول المنطقة فيبدو أنها ليست في عجلة من أمرها للتعليق على التحولات الداخلية الأخيرة في تركيا، ومحاولة الانقلاب الفاشلة.

ضرورة أن تعزز تركيا علاقاتها مع آسيا الوسطى، إذ يمكن لذلك أن يعزز شروط تفاوضها مع أوروبا، ويجعل قدرتها أكبر على المناورة مع الغرب، ويزيد مناطق شراكتها مع روسيا.

عن الكاتب

د. باسل الحاج جاسم

كاتب وباحث في الشؤون التركية الروسية، ومستشار سياسي، ومؤلف كتاب: كازاخستان والآستانة السورية "طموحات نمر آسيوي جديد وامتحان موسكو"


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس