قراءة في مشروع الدستور التركي الجديد

10 يناير 2017

بكر محمد البدور - خاص ترك برس

تحمل تسميات النظم السياسية المعمول بها في دول العالم المختلفة دلالات على المؤسسة السياسية أو المنصب السياسي الذي يسمو على غيره من مكونات النظام السياسي فالنظام البرلماني يدل على سمو البرلمان على غيره من مكونات النظام السياسي وأن اليد الطولى في الحياة السياسية هي للبرلمان وفي نظام حكومة الجمعية تسمو الجمعية الوطنية على غيرها من المكونات وتكون صاحبة اليد الطولى وفي النظام الرئاسي يسمو شخص الرئيس على غيره من المكونات ويضطلع بمهام السلطة التنفيذية وهكذا في المسميات الأخرى.

وفي الحالة التركية فإن التحول نحو النظام الرئاسي ليس وليد الساعة الحاضرة ولكنه كان يتردد بين الحين والآخر على ألسنة قادة حزب العدالة والتنمية منذ إجراء التعديلات الدستورية الواسعة عام 2007، وتم اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه عبر تعديل الدستور بنقل صلاحيات انتخاب رئيس الجمهورية من البرلمان إلى الانتخاب المباشر من قبل الشعب عبر صناديق الاقتراع، وهذا الأمر لم يأتي من فراغ فالدستور التركي الحالي يرتكز إلى النظام البرلماني. ووفق هذا النظام فإن موقع رئيس الجمهورية في الدول البرلمانية أو موقع رئيس الدولة أقرب ما يكون إلى المنصب الفخري، ويقتصر دوره على تكليف زعيم الحزب الفائز بالانتخابات بتشكيل الحكومة إلى جانب بعض الصلاحيات البروتوكولية البسيطة الأخرى، ولكن في الحالة التركية فإن الامر ليس كذلك مطلقًا فالرئيس يتمتع بصلاحيات واسعة في الشؤون الداخلية للبلاد من جهة وله حق التدخل السلبي ضد قرارات البرلمان من جهة أخرى فالرئيس لا يصدر القوانين ولكنه له الحق في الاعتراض عليها وإلغائها، وهذه حالة فريدة غير موجودة في النظم البرلمانية الأخر،ى الأمر الذي يعيق عمل البرلمان ويحد من الإرادة الشعبية ناهيك عن التداخل في الصلاحيات بين السلطات التي من المفترض أن تكون مفصولة عن بعضها.

ويرى باحثون أن دستور 1982 جعل من مؤسسة الرئاسة مركزًا جديدًا لحماية القيم العلمانية التي تمتد إلى المؤسس مصطفى كمال إلى جانب المؤسسة العسكرية والآلة الإعلامية فالرئيس له علاقة مباشرة بالسلطة التشريعية من خلال امتلاكه حق الاعتراض على القوانين التي تصدر عن المجلس الوطني التركي الكبير وردها إليه للنظر فيها مرة أخرى أي أن الرئيس لا ينخرط في العملية السياسية بصورة مباشرة ومن الأمثلة على ذلك اعتراض الرئيس أحمد نجدت سيزر على مشروع قانون الإدارة العامة الذي قدمه حزب العدالة والتنمية عام 2004 وأقره البرلمان وبقي المشروع مجمدًا مدةً طويلة كما أن للرئيس الحق في إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية للبت فيها كما أن له علاقة مباشرة بالسلطة التنفيذية من خلال تعيين رئيس الوزراء والمصادقة على تعيين الوزراء والرئيس على صلة مباشرة بالمؤسسة العسكرية صاحبة النفوذ الكبير في الحياة السياسية حتى عهد قريب عبر ترؤسه مجلس الأمن القومي الذي كانت تغلب على تشكيلته الصبغة العسكرية غير أن انتخاب عبد الله جول رئيسًا للجمهورية عام 2007 جعل حكومة العدالة والتنمية في مأمن من القيود التي قد يشكلها الرئيس.

ومن هذا المنطلق جاء سعي حزب العدالة والتنمية لإجراء تعديلات جوهرية على الدستور الحالي للتحول نحو النظام الرئاسي الذي يلغي موقع رئيس الحكومة ويركز السلطة التنفيذية بيد الرئيس المنتخب بالاقتراع المباشر وأبرز مثال على النظم الرئاسية في العالم النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية

والنظام الرئاسي يتيح  مرونة  كبيرة في التعامل مع القضايا والمستجدات نظرًا لسهولة الآليات المتبعة في صنع القرار وسرعتها كما ان هذا النظام يتيح فرصة التخلص من حالة عدم الاستقرار السياسي التي قد تترتب على عدم حسم أي من الأحزاب السياسية لنتائج الانتخابات بالأغلبية المريحة لتشكيل الحكومة مما يدخل البلاد في دوامة الحكومات الائتلافية غير المستقرة أو يدفعها إلى الانتخابات المبكرة كما حدث مع تركيا في الانتخابات الأخيرة.

وبالعودة إلى مشروع الدستور المقدم من الحكومة التركية للبرلمان نجد أنه الغى موقع رئيس الحكومة المعمول به في النظم البرلمانية وشبه الرئاسية وأناط السلطة التنفيذية بموجب المادة 104 منه  بالكامل بشخص الرئيس الذي بمقدوره اتخاذ قرارات غير متعارضة مع الدستور او القوانين التي تسنها السلطة التشريعية إلى جانب الحق في تعيين الوزراء منفردًا دون الحاجة لأخذ ثقة البرلمان كما يعطي مشروع الدستور التركي المقترح الحق للرئيس  بإعلان حالة الطوارئ مدة ستة شهور وكذلك تمديدها دون الحاجة للرجوع للبرلمان عند حدوث  خطر يهدد البلاد كالحرب أو انقلاب عسكري ولم يحدد المشروع سقفا لذلك بل تركه لتقدير الرئيس وفق رؤيته ومن القضايا المستجدة التي تناولها مشروع الدستور الجديد في المادة 101 السماح للرئيس بزعامة حزبه السياسي في الوقت الذي يجبر الدستور الحالي رئيس الجمهورية على التخلي عن عضوية الأحزاب بصورة مطلقة مادام في هذا المنصب وحتى مغادرته ومن الملاحظات السلبية على مشروع الدستور الجديد أنه ينص على عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في اليوم ذاته وهذا بنظر مختصين قد يؤدي إلى هيمنة الحزب الذي ينتمي اليه الرئيس على البرلمان مما يخل بالتوازن بين الحكم والمعارضة ويجعل البرلمان أقرب إلى الديكورية من الفاعلية.

ولخلق نوع من التوازن بين الرئيس والبرلمان ولإتاحة الفرصة أمام ممثلي الشعب للعب دور فاعل في النظام السياسي   فإن مشروع الدستور المطروح يعطي للبرلمان الحق بإقرار انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة شريطة موافقة 60 % من أعضائه إلا أنه أعطى حقًا مماثلا للرئيس في ذلك إلا أن مراقبون يرون أن المادة التي تنص على ذلك في المشروع وهي المادة الثانية عشرة تمكن الرئيس من تعطيل البرلمان وتمكن البرلمان من تعطيل ذاته وتعطيل دور الرئيس بحسب هذه المادة المشار إليها ويتيح مشروع الدستور المنظور امام البرلمان لرئيس الجمهورية تعيين عدد غير محدد من نواب الرئيس وهذا يمكن الرئيس من استقطاب شخصيات أو قوى سياسية تتفق معه في البرامج والرؤى إلى جانبه عبر هذا المنصب ويعفي مشروع الدستور الرئيس من مهمة إطلاع البرلمان على سير البرامج والنشاطات السياسية والاقتصادية  ومن غير المرجح ان يستطيع حزب العدالة والتنمية تمرير مشروع الدستور عبر البرلمان لعدم قدرته على حشد الأصوات اللازمة إذ يحتاج تمرير هذا المشروع لموافقة 368 نائبًا يمتلك منها الحزب 317  بالإضافة إلى 39 نائب من حزب الحركة القومية يفترض ان يصوتوا لصالحه بعد حوارات وتفاهمات مع الحزب الحاكم ومع رفض حزب الشعب الجمهوري اليساري وحزب الشعوب الديمقراطية الكردي  لمشروع الدستور الجديد بات في حكم المؤكد أن المشروع سيطرح للاستفتاء الشعبي المباشر.

وختاما فإن اختلاف المسميات في النظم السياسية وكذلك الاختلاف بنياتها وعلاقاتها لا يغير من حقيقة وظيفتها وهي تنظيم العلاقات بين الحكام والمحكومين  وتحقيق الاستقرار السياسي عبر قبول الأغلبية بها فإذا نجح النظام السياسي في تحقيق هذه الاهداف فلا غضاضة في شكله ومضمونه ومسماه.