دلالات مهمة لزيارة فايز السراج لتركيا

17 فبراير 2017

جلال سلمي - خاص ترك برس

لم تحظ زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج لأنقرة في 8 شباط/ فبراير الجاري، بتغطية إعلامية مناسبة، بالرغم من الأهمية العالية التي تحملها بالنسبة لميزان القوى في المنطقة.

أعادت تركيا في 30 كانون الثاني/ يناير المنصرم فتح سفارتها المغلقة في طرابلس منذ عام 2014، ولم تكد تفعل ذلك حتى وجهت دعوة إلى السراج لتؤكد بذلك على مسعاها في إعادة ثقلها المفقود في ليبيا.

حملت الزيارة بين طياتها الكثير من الدلالات الهامة، وربما حالت سيطرة القضية السورية على تطورات الساحة الدولية والإقليمية دون اكتساب الزيارة للمتابعة الإعلامية الكافية، ولبيان لأهمية الزيارة، يمكن سرد دلالاتها على النحو التالي:

ـ حشد المجلس الرئاسي الدعم الدولي لترسيخ مشروعيته الدولية:

بالرغم من ظهور المجلس الرئاسي الليبي للسطح كمُخرج لمؤتمر الصخيرات المنعقد في مدينة الصخيرات المغربية بتاريخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015، إلا أنه إلى الآن يعاني من معضلة عدد الدول المعترفة أو المتعاونة معه، وبالأخص في ظل عدم اعتراف كافة الأطراف الليبية به، كبرلمان طبرق و"جيش الكرامة" جيش حفتر اللذين يحظيان بدعمٍ مشهود من بعض دول الخليج والدول الأوروبية، الأمر الذي يزيد من حاجته لجذب اعتراف أكبر عدد ممكن من الدول به، لموازنة قوة تلك الدول الداعمة للجهتين المنافستين.

ـ إعادة استقطاب الاستثمار التركي:

قبل اندلاع الثورة الليبية وبعدها، شكل الاستثمار التركي عنصرًا مهمًا بالنسبة للاقتصاد الليبي، إذ بلغ معدل الاستثمار التركي في ليبيا قبل انطلاق الثورة الليبية، عام 2010 تحديدًا، 3.8 مليار دولار، ولكن هذا الرقم انخفض إلى ما دون المليار بعد عام 2014، ومع وجود اتفاقيات اقتصادية سارية بين الدولتين، كاتفاقية التجارة الحرة واتفاقية تبادل الأيدي العاملة واتفاقية التطوير التجاري والصناعي والزراعي المشترك، يأمل المجلس الرئاسي الليبي بإعادة تفعيل عمل هذه الاتفاقيات، لتنشيط حركة السوق الليبية، وإعادة القوة الاقتصادية للمواطن الليبي.

ـ رغبة تركيا في ترجيح كفة ميزان القوى في ليبيا لصالحها (بقدر المستطاع):

يُعرف عن المجلس تجنبه التعاون مع بعض دول الخليج المنافسة لتركيا التي تأخرت على ما يبدو في الاعتراف بالمجلس، وفي إطار مسعاها لإحراز تحرك دبلوماسي وميداني واقتصادي متين يوازن قوة بعض الدول الخليجية المناهضة لاتساع رقعة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، شعرت تركيا بأنه لا بد من العودة إلى الميدان الليبي الذي تتواجد به بعض القوى الخليجية بشكل أكبر من أي ميدان آخر، ولموازنة القوة الخليجية في الميادين الأخرى، لا بد من تضييق مساحة نفوذها في الميدان الليبي.

وعلى الأرجح، شعرت تركيا بأن انعزالها عن الميدان الليبي بدعوى ضرورة تركيز انتباهها صوب الأزمة السورية، لم يعود عليها إلا بالمزيد من الخسائر السياسية والأمنية والاقتصادية، فانعزالها المعني فتح الباب أمام بعض دول الخليج وروسيا لتوسيع نفوذها في ليبيا على حساب مصالحها القومية. يبدو جليًّا أن روسيا باتت تسير مستغلةً الفراغ الظاهر للقوى المؤثرة نحو توسيع نفوذها في لبيبا، ما دفع تركيا تميل لخيار إعادة علاقتها مع الطرف الليبي المعترف به دوليًا، لدعمه لوجستيًا واقتصاديًا والتصدي من خلاله لنفوذ الدول الأخرى بقدر الإمكان، ويمكن لتركيا من خلال العودة إلى ليبيا بالتزامن مع انطلاق روسيا نحو توسيع نفوذها هناك. يوازن إعادة الانفتاح التركي على ليبيا موازنة مصالحها بالنسبة لحجم المصالح الروسية في المنطقة بشكل خاص، ففتح تركيا مساحة منافسة جديدة مع روسيا، يمنحها المزيد من الأوراق الدبلوماسية التي يمكن استخدامها أمام التحرك الروسي حول العالم.

وفي سياق مبدأ "توازن القوى" أيضًا، يبدو أنه من الصائب الاعتقاد بأن التحرك التركي جاء بدفعٍ من رئيسة الوزراء البريطانية "تيرازا ماي" التي قد تكون هدفت من خلال ذلك إفقاد روسيا فرصة ترسيخ نفوذها في محيط حوض شرق البحر المتوسط الذي تملك هي وتركيا معًا نفوذًا مشتركةً به عبر وجودهما كضامنين عسكريين في جزيرة قبرص.

وربما ترمي تركيا إلى تجفيف فرصة توسيع مصر نفوذها الدبلوماسي في ليبيا. تشكل القاهرة، اليوم، منصةً مهمةً للمشاورات بين الأطراف الليبية، واتجاه تركيا لسحب البساط من تحت الإدارة المصرية المتنازعة معها، أو تخفيف دورها الدبلوماسي والسياسي في ليبيا، يكسبها فرصة عزلها عن إقليمها المحبط بها، وما هو يتم تصنيفه على أنه سياسة "تطويق" تعاني منها مصر أصلًا، نتيجة تنامي الضغوط السودانية المطالبة بشلاتين وحلايب، والمهددة بالتوجه لمجلس الأمن، والضغوط الأثيوبية الناتجة عن بناء السدود على نهر النيل، وبالتقارب التركي الليبي يشتد التطويق على مصر، لا سيما أن تركيا تقف مع الطرف الليبي المضاد أو غير المساير لطموح الطرف المصري.

وفي ضوء الحديث عن سياسة التنافس بين تركيا والدول الأخرى، تجدر الإشارة إلى النشاط الإيراني الساعي إلى زيادة حجم النفوذ السياسي والاقتصادي لإيران في محيط المغرب العربي، ويتم ذلك النشاط عبر التعاون مع الجزائر التي تملك مستوى جيد من زمام المبادرة الرامية لحل الأزمة الليبية.

ـ إحراز نموذج يرفع من شأن الدور التركي:

توحي الزيارة بأن تركيا ترغب باستعادة دورها التأثيري في أفريقيا، على أمل أن يوفر لها ذلك نموذجًا دبلوماسيًا واقتصاديًا يعزز دورها في أفريقيا، ويجعلها قبلةً للدول الراغبة في تأسيس مساحة تعاون دبلوماسي واقتصادي جيد معها.

ـ دلالة توقيت الزيارة:

وفي السياق ذاته، يبدو أن توقيت الزيارة له دلالته المهمة، فتركيا تُجري لقاءات موسعة مع بعض دول الخليج "باستثناء الإمارات المنافس الأكبر لتركيا"، ويعني ذلك أن تركيا قد تأمن تحديًا أخف من قبل دول الخليج المساندة للإمارات، والراغبة في تحقيق تعاون جديد معها فيما يتعلق بالقضايا العالقة في المنطقة، وبالأخص بعد انتشار الفوضى في المنطقة، وبعد النتائج العكسية التي عادت على السعودية، على وجه الخصوص، فيما يتعلق بدعمها للثورة المضادة، فالمثال المصري ماثل أمام الجميع.

تزامن الزيارة مع وجود شواهد على تعاون مع روسيا وظهور إمكانية للتحالف مع الولايات المتحدة، وهو ما منح تركيا فسحة لتوزيع تركيزها ومهامها الدبلوماسية، غداة تعليقها وقصره على سوريا جراء تفاقم المخاطر القومية بها.

كما لبدء تركيا مرحلة العودة لعهد الانفتاح السياسي الدبلوماسي الاقتصادي على الشرق، بعد انقطاع دام طويلاً، ثقل في دفع تركيا لإحداث انفتاح شامل.

ـ أسباب انعزال تركيا عن الساحة الليبية:

لم يأتِ الانعزال عن الساحة الليبية من محض الإرادة الخاصة بالقيادة التركية، بل كان نتيجة ضغوط دولية ومحلية أرغمتها على ذلك، وربما هذه هي أهم الأسباب التي أدت لذلك:

ـ لا بد من التأكيد على عدم جهوزية الجبهة الداخلية لتركيا، نتيجة التنافس الداخلي المحتدم مع جماعة غولن، وعودة الصدام العسكري بينها وبين حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أعجزها عن إدارة مسار ثورات الربيع العربي.

ـ اتساع رقعة سيطرة "داعش" في العراق وسوريا المحاذيتين لها، ما اضطرها إلى صب تركيزها على تلك المناطق.

ـ الرغبة في الحفاظ على صورة تركيا الدبلوماسية الناعمة أمام الرأي العام المحلي والإقليمي، فالتطورات الجارية أضرت كثيرًا بالمكون الديموغرافي والديني لمواطني المنطقة، وتعوّل شعوب المنطقة على تركيا لإجراء سياسة تردع هذا التحرك، وكان لا بد لتركيا من تغيير مسار سياستها غير الواقعية إلى مسار دبلوماسي واقعي معتدل، لإنقاذ ما هو ممكن.

بالمحصلة، تحتاج الدول القومية إلى ميادين عادة تقارع من خلالها الدول المنافسة لها، لتشكيل نوع من توازن القوى الذي يعتبر الميزان الأساسي لمسار تحركات الدول وعلاقاتها على الساحة الدولية، واستبطان تركيا للخسائر التي تكبدتها نتيجة فتور دورها في منطقة ما، أدى على ما يبدو لدفعها إلى إعادة حساباتها.