Banner: 

ترك برس

على عكس التجارب الأوروبية والشرق أوسطية، لم يمِلِ التيار المحافظ في تركيا إلى مواجهة الإصلاحات التحديثية بشكلٍ مباشر. يرى المحافظون الأتراك بأنهم الفصيل المتوسط في سياسة التحديث في الجمهورية. وبسبب هذا الاعتدال، لا يمكن للفئة المحافظة أبدًا أن تلعب دورًا رئيسيًا في ميول المجتمع السياسي التركي. لطالما اتبع المحافظون الأتراك التحديث من الخلف، ويرجع ذلك في الغالب إلى نهجهم الحذر في السياسة.

إلى جانب ذلك، هناك عاملٌ هامٌّ لا زال يمنع المحافظين من فتح جبهةٍ مباشرة على الإصلاح التقدمي المؤيد للغرب، وهو مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، والذي يظلُّ البطل القومي في نظر الأوساط المحافظة، على الرغم من كونهم منافسين منذ عقود للكماليين. ويطلق على هذه الكمالية الطائفية اسم: الكمالية اليسرى، والتي تتم موازنتها من قبل المحافظين باسم: الكمالية اليمينية.

قد يكون السبب الثالث للمواقف غير المتسقة للمحافظين تجاه التحديث، هو أنهم كانوا أيضًا من بين المستفيدين من الإصلاحات التحديثية، كما أن البعض منهم لديه روابط عائلية مباشرة مع نظرائهم. فعلى سبيل المثال كان عدنان مندريس مفتشًا للحزب في الحزب الجمهوري الشعبي الكمالي قبل مدةٍ قصيرةٍ من تأسيسه الحزب الديمقراطي المحافظ (DP).

وقد تم إرسال العديد من المحافظين إلى أوروبا من قبل حكومة الحزب الواحد لحزب الشعب الجمهوري للتعرف على القيم الغربية والمعرفة العلمية والثقافية. أشخاصٌ مثل الفيلسوف الكبير نور الدين طوبتشو، والشاعر الشهير نجيب فاضل، ومنوّر أياشلي، التي أصبحت صوفيةً ومؤيدةً لحكومة عدنان مندريس، كانوا قد زاروا فرنسا بمنحٍ دراسية قُدّمت لهم من قبل الحكومة.

وُلدت منوّر أياشلي (خديجة منوّر) في العاشر من حزيران/ يونيو سنة 1906، في سالونيك في الإمبراطورية العثمانية. كان والدها جعفر الطيار بيك، ابن رفعت بيك رئيس مينليك، وهي بلدة صغيرة في مقدونيا اليوم، ضابطًا عسكريًّا برتبة مقدم في الجيش العثماني، في حين كانت والدتها خيرية شريفة خانم ربة منزل. كما كان جدها والد خيرية شريفة أيضًا ضابطًا عسكريًّا عثمانيًّا بارزًا.

عاشت عائلة أياشلي في قصرٍ عثماني نموذجي مع العديد من الخدم، من بينهم ثلاث خادمات، وطباخ واحد، و"مدموزيل" أو مربية، وحارس. كان والدا منوّر على مستوىً رفيعٍ من الثقافة في وقتهم ذاك، تحدث كلاهما بالفرنسية، وكان جعفر الطيار بيك يجيد أيضًا الألمانية والتي أصبحت شائعةً بين الضباط العثمانيين بعد ثورة 1908. إضافةً إلى أنه كان رجل دين يميل إلى التصوف. قالت منوّر ذات مرة إن حبها لابن عربي جاء من والدها.

تلقت تعليمها لأول مرة في مدرسة بروتستانتية ألمانية، وهي Diakonessen Schwesterlein في حلب، حيث انتقلت في أوائل عام 1914. تعلمت اللغة الألمانية وأخذت دروسًا في العزف على البيانو والعود. طلبت الأخوات في المدرسة الإذن لتعليم منوّر الصغيرة المسيحية، وقَبِلَ والدُها بذلك. من أجل ذلك تعلمت منوّر أياشلي المسيحية قبل دينها.

بعد عامين، انتقلت منوّر إلى بيروت مع عائلتها حيث تلقى والدها وظيفةً عسكريةً هناك. ثم حضرت مرةً أخرى مدرسة ألمانية في حلب، كما بدأت بتعلم اللغة العربية من سيدةٍ محلية.

بدأت خالدة أديب، الكاتبة الوطنية الشهيرة، في إدارة مدرسة تركية في حلب، لذلك قام والد منوّر بنقلها من المدرسة الألمانية إلى مدرسة خالدة أديب. لم تتقبل منوّر التعليم في تلك المدرسة لأن خالدة لم تتمكن من تنظيم المعلمين، كما كانت هناك فجواتٌ في النظام المدرسي، فعادت بعد ثلاثة أشهر إلى المدرسة الألمانية.

حياةُ الغنى والفقر

بعد الحرب العالمية الأولى، انهارت الإمبراطورية العثمانية، وفُقدت بيروت. فانتقل جعفر الطيار بيك مع عائلته إلى إسطنبول ليبدؤوا حياتهم في قصر تشينغيل كوي على الساحل الآسيوي من البوسفور. تلقّت منوّر أياشلي الدروس التركية لأول مرة في هذا القصر.

لم تدم الحياة الجديدة في إسطنبول طويلًا لعائلة أياشلي التي اضطرت للانتقال إلى شتوتغارت في ألمانيا، حيث درست منوّر وشقيقها الأكبر في أكاديمياتٍ ألمانية. عاشت العائلة في غرفةٍ في فندق، لقد كانت تضحيةً حقيقيةً مقارنةً بحياتهم في القصر في كل من حلب وإسطنبول. إلا أن حتى تلك الحياة التي كانت قاسيةً عليهم، لم يستطيعوا دفع تكاليفها. فبعد عامٍ واحد كانت العائلة مفلسةً تمامًا، الأمر الذي دفع خيرية شريفة لبيع مجوهراتها، التي لم تستطع أيضًا تقديم الدعم الكافي لتضطر العائلة للعودة إلى إسطنبول من جديد.

لم يكن لديهم أي شيء، ولم يكن بإمكانهم حتى استئجار منزلٍ في إسطنبول. ولحسن الحظ، فتح شقيقُ جعفر الطيار بيته لهم. كانوا يعيشون في كوزغونجوك على الساحل الآسيوي من البوسفور، وقد أشارت منوّر إلى حياتها في تلك الفترة قائلة: "ليست حياةً حقيقية، لكنها حياة نباتات. إنها نوعٌ من الغيبوبة".

في أنقرة

جاء الخلاص من محمد علي، الأخ الأكبر لمنوّر، والذي تولّى وظيفةً عامةً في أنقرة عاصمة الجمهورية التركية التي تأسست حديثأ. انتقلت أياشلي مع والديها إلى أنقرة للانضمام إلى محمد علي سنة 1927. وبعد فترة، وجد والداها وظيفة في ديار بكر، فبقيت منوّر وحدها مع والدتها في أنقرة حيث حصلت على وظيفةٍ هناك.

التقت أياشلي بالدبلوماسي نصرت سعد الله في أنقرة وتزوجته سنة 1930. أصبحت منوّر غنيةً مرةً أخرى بفضل زوجها. عاشا في قصرهما في بايلارباي بالقرب من تشينغيل كوي حيث انتقلت مع عائلتها بعد مغادرة بيروت.

سنة 1944 توفي نصرت سعد الله، وبدأت منوّر بالعمل مرةً أخرى. كان معاش زوجها الراحل غير كاف، من أجل ذلك قامت بتأجير القصر لدبلوماسيٍّ أوروبي.

روائية

بعد وفاة زوجها، كتبت منوّر أعمدةً للصحف، كما كتبت مقالاتٍ في الحنين للحياة اليومية والعادات في العهد العثماني. ومع ذلك، فإن أعظم أعمالها هي رواياتها، وفقًا لكثيرٍ من النقّاد. تحدثت في رواياتها عن الأجيال الأخيرة من الإمبراطورية العثمانية، وأفضل مجلداتها جزءٌ من ثلاثية عن عائلة عثمانية خلال الأيام الأخيرة للإمبراطورية.

في مقالاتها وأعمدتها ولقاءاتها، تظهر منوّر شخصيةً أرستقراطية، وهي عبارة عن بادرة حنين قادمة من الحداد على انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى جانب الثراء والحياة الأرستقراطية اللذين عاشتهما منوّر في طفولتها، لقد كانت فخورةً بماضيها وأجدادها.

قالت منوّر ذات مرة: "أنا طفلة من الإمبراطورية العثمانية، لقد تلقيتُ تعليمي الأول في حلب، وبعد ذلك في بيروت. كان بإمكانك السفرُ إلى أي مكانٍ تختاره من ماناستير إلى ساريكاميش دون أن تحمل جواز سفر".

اعتقدت منوّر أن النُّبل توفي مع انتهاء الإمبراطورية العثمانية، الحداثة التي غزت العالم وقتها كانت مبتذلةً بالنسبة إليها. كما انتقدت منوّر أنقرة لأشياء مثل الديكور المنزلي وتخطيط المواقع. وفضّلت الطبقة الراقية على الحشود، كانت نخبويةً حقيقية.

توفت منوّر أياشلي في العشرين من آب/ أغسطس سنة 1999، في إسطنبول.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!