ترك برس

تناول مقال للكاتب والسياسي ياسين أقطاي، قضية وثائق جيفري إبستين بوصفها نافذة لكشف البنية الحقيقية للنظام العالمي، معتبرًا أن ما انكشف ليس فضيحة أخلاقية معزولة بل منظومة ابتزاز وانحراف تُدار عبرها السياسة الدولية.

يربط الكاتب بين هذا النظام وبين صمت العالم عن جرائم غزة وسوريا وأفغانستان، مؤكدا أن القادة الغربيين أسرى لشبكات نفوذ تقوم على الاستغلال الجنسي والملفات السوداء، وأن إسرائيل عبر الموساد تقف في قلب هذه الشبكة. 

ويخلص أقطاي إلى أن صمود غزة فجّر هذا المستنقع وأجبر العالم على مواجهة وجهه الحقيقي. وفيما يلي نص المقال الذين نشرته صحيفة يني شفق:

كلما كُشف عن مزيد من وثائق إبستين، ازدادت الصورة وضوحًا بشأن الركائز والأسس التي يقوم عليها النظام الذي يعيش العالم في ظله منذ سنوات طويلة. في الحقيقة، كنا نتوقع الكثير من هذا النظام؛ كنا نظن أنه قادر على كل أشكال الشر والانحلال الأخلاقي، لكن ربما لم نكن نتوقع أن يبلغ هذا الحد. فقد كنا نظل مندهشين من صمت العالم إزاء الوحشية التي نشهدها منذ سنوات في غزة وفلسطين، تلك الوحشية التي تسحق جميع مزاعم النظام العالمي المتعلقة بالعدالة وحقوق الإنسان والمساواة والحرية والإنسانية.

لقد حاولنا تفسير الأمر ببساطة من خلال القول إن مشاعر الإنسانية لا تعمل حين يتعلق الأمر بالمسلمين، أو إنه ازدواج في المعايير، أو افتقار إلى المبادئ، أو — في أحسن الأحوال — عجز. لكن تبيّن أن وراء ذلك ما هو أبعد بكثير من العجز.

لقد كشف حفنة من مجاهدي «عز الدين القسام» أن دول العالم جميعها أسيرة في قبضة النظام الصهيوني العالمي، وأن أراضيها كلها واقعة تحت الاحتلال. وتبين أن الشعب الوحيد الذي لم يقع في الأسر أمام هذا النظام هو شعب غزة، وأن الأرض الوحيدة التي بقيت خارج قبضته هي غزة. لقد كررنا هذا التوصيف كثيرًا في مواجهة اللامبالاة العالمية المذهلة إزاء الإبادة الجماعية المرتكبة بحق غزة. غير أننا نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد يتجاوز قدرة الخيال، إذ يكشف الخلفية التي جرى من خلالها إخضاع هذه الدول، ويظهر أن وراء ذلك نظام ابتزاز قائم على انحلال أخلاقي عميق.

العلاقات الدولية خارج حدود الخيال السوسيولوجي

يقول فيصل كاراكاش في موقع «تذكرة»: لقد كنا نظن أن هذه الأمور مجرد حكايات أو أساطير، لكن اتضح أننا حتى في الأساطير لم نسمع إلا بالقليل منها. ويضيف: «لقد كنا نخاطب ضمائر تتغذى على لحم الأطفال ودمائهم قائلين: “لا تقتلوا الأطفال”، وكنا نستجدي منهم الرحمة. وبينما كنا نقول: “أوقفوا هذه الحرب”، كانوا من جهة يلتهمون الأطفال، ومن جهة أخرى ينظفون بقايا الطعام من بين أسنانهم وهم يتحاورون معنا. نعم، الأمر ليس مجازًا؛ إنهم بالفعل يأكلون الأطفال. علاقات سفاح القربى، وعمليات الاغتصاب، وانحرافات تقشعر لها الأبدان، وأفعال لا يمكن للعقل أو الخيال استيعابها».

إن وثائق إبستين تكشف أن خلف العلاقات التي عجزت نظريات العلوم الاجتماعية عن تفسيرها أسبابًا لم تكن تخطر على بال أحد. كما تكشف أن التحليلات التي أجهد محللو العلاقات الدولية أنفسهم في صياغتها — نظريًا وعمليًا — كانت خاوية تمامًا. فقد تبين أن العلاقات تُبنى وتستمر عبر ارتباطات واعتماديات تتشكل من ميول منحرفة.

قادة جرى الإمساك بهم من خلال غرائزهم الجنسية ومن ثم التحكم بهم عبرها. لقد أصبح «التمركز حول الفحولة» عاملًا حاسمًا في العلاقات الدولية. ففي علاقات تُبنى على هذا الأساس، لا يبقى للدين ولا للأيديولوجيا أثر، ويصبح الانتقال إلى التخلي عن الإنسانية أمرًا يسيرًا، ومنذ اللحظة التي يُمنح فيها ذلك «التصريح»، يبدأ الشخص في أداء الأدوار المرسومة له داخل مصفوفة مختلفة تمامًا.

ما نراه اليوم مجرد إنذار بما هو أسوأ

حين سُربت وثائق «ويكيليكس» سابقًا، شعر العالم بشيء من هذا الانطباع، لكنه ظل محصورًا في نطاق تسريبات تتعلق بأسماء وردت في مراسلات داخل شبكات الاستخبارات الأمريكية. أما وثائق إبستين فهي انفجار من نوع مختلف. ولا أوافق من يصفه بانفجار مجارٍ للصرف الصحي؛ فهذا هو النظام ذاته. أما «مجاريه» الحقيقية فهي أشد فظاعة، ولم نرها بعد. وكل ما نراه اليوم ليس سوى مؤشر على ما هو أسوأ.

نتذكر تلك الحكاية التي تحولت إلى أسطورة عن أحد رؤساء الولايات المتحدة الذي اضطر للاستقالة خجلًا بعد انكشاف كذبة واحدة، تحت ضغط القيم المجتمعية الأمريكية. ولنترك ذلك جانبًا، ولنتذكر أيضًا الفضيحة الشهيرة للرئيس بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي. ما الذي كان يوحي به الرأي العام آنذاك؟ صورة لأمريكا لا تتسامح مع الكذب، ومتشبثة بقيم الأسرة. غير أن ما وصفه جان بودريار بالمحاكاة يبدو اليوم أقرب إلى حقيقته، إذ تكشف قضية إبستين عن الوجه الحقيقي الكامن خلف المسرح.

ألم نكن نعلم أن حساسية الغرب تجاه الديمقراطية ليست سوى ذريعة لجشعه الاستعماري؟

ألم نر ما قصدوه بالديمقراطية التي حملوها إلى أفغانستان والعراق، حين اقترنت بفظائع سجن أبو غريب، وبالمشاهد المسرحية لتنظيم «داعش» الذي أنشأوه وسيطروا عليه حتى النهاية؟ هل كنا نظن أن حساسيتهم تجاه تعليم النساء في أفغانستان نابعة من حب النساء؟ وهل كان لا بد أن نرى إبستين لندرك حجم الانحراف الكامن وراء ذلك؟

إن الصورة التي تكشفها وثائق إبستين تظهر أنهم قادرون على ارتكاب كل أنواع القذارة التي لا يمكن لعقول المسلمين استيعابها ولا لخيالهم بلوغها، في غزة وأفغانستان والعراق وسوريا وكل مكان تمتد إليه أيديهم.

لماذا استمرت الحرب في سوريا أربعة عشر عامًا؟ وكيف جرى سحق مئات الآلاف من البشر أمام أنظار العالم في سجن صيدنايا وغيره من المعتقلات، حتى جفت دماؤهم داخل آلات الضغط؟ وأي شبكات ابتزاز حالت دون وقف تلك الوحشية؟ وكيف جرى التغاضي عن إنتاج وتهريب مخدرات بمليارات الدولارات سنويًا في أفغانستان تحت أعين حلف «الناتو»؟

بل كيف استمر ذلك تحت أعين حلف «الناتو» أو في ظل إشرافه؟ إن العالم مدين بالكثير لمن كشفوا هذا المستنقع، غير أن المشكلة — في نظر البعض — أنهم «طالبان»! أليس هذا ما يُقال؟ بحجة أنهم يفرضون قيودًا على تعليم الفتيات؟ أم لأن هؤلاء الفتيات لم يعد بالإمكان اختطافهن في سن مبكرة من المؤسسات التعليمية ليتحولن إلى ضحايا لشبكات الدعارة والطقوس المنحرفة المرتبطة بجحيم إبستين؟

عامل حاسم لم تتطرق إليه أي تحليلات في تفسير النظام العالمي

تكشف وثائق إبستين أن ثمة عاملًا أكثر جوهرية لم تتطرق إليه أي تحليلات يحدد كيفية عمل النظام العالمي. فالساسة المرتبطون بمراكز القرار عبر شبكات الدعارة والعلاقات المنحرفة يقف فوقهم جميعًا جهاز الموساد الإسرائيلي. وتكشف الوثائق كيف تدير إسرائيل العالم عبر شبكة علاقات قذرة ومنظومة ابتزاز، وما الذي كلفته هذه المنظومة للبشرية.

يبدو أن هذه الفضيحة نفسها نتاج آلية ابتزاز

يتضح أن هناك عقوبات تُفرض على الساسة الذين يعجزون عن الوفاء بالتزاماتهم تجاه «الموساد». غير أن هذه العقوبات، حين تُفرض على الطرف المستهدف، تؤدي في الوقت نفسه إلى فضح الجهة التي تمارس الابتزاز، ما يعرّضها بدورها لأضرار كبيرة. ومن هنا تنشأ فرصة حقيقية لملاحقة منظومة إجرامية بأكملها.

ولا يمكن تفسير تناقضات ترامب الذي يتراجع عن تصريحاته خلال ساعات بشخصيته وحدها. فقد تكون هذه التناقضات نتيجة اختبارات قوة تمارسها شبكات ابتزاز تحاول إخضاعه بالكامل للنفوذ الإسرائيلي. وربما يكون هذا التفسير صالحًا لغيره أيضًا.

العالم مدين لغزة مرة أخرى

وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن انكشاف نظام إبستين القذر بهذه الصورة يدين بالكثير لأحداث «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر.فقد أسهم صمود مقاتلي غزة على مدى عامين في مواجهة إسرائيل المتهمة بارتكاب إبادة جماعية في إرغام العالم على اتخاذ مواقف. صحيح أن غزة تعرضت للقصف وقدمت آلاف الشهداء ودُمرت منازلها، لكن العالم الذي واجهته اهتز بزلزال بلغت شدته 11.7 درجات. ومع كل اهتزاز، اتخذ العالم خطوة جديدة نحو التغيير. وما زال هذا المسار مستمرًا ويبقى السؤال: إلى أين سينتهي؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!