بارتو إيكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

قبل أيام قليلة، كنا قد حلّلنا انتهاء مهمة سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك كمبعوث خاص إلى سوريا، وتساءلنا عما إذا كان ذلك يشير إلى مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. وفي تلك الأيام، كان أحد أكثر المواضيع إثارة للنقاش هو ما إذا كان النهج الذي يمثله باراك سيستمر أم لا.

ولم يمضِ وقت طويل حتى صدر قرار لافت من واشنطن.

فقد تم تعيين توم باراك هذه المرة مبعوثًا خاصًا إلى العراق.

ورغم أن هذا التطور قد يبدو للوهلة الأولى مجرد تغيير في المهمة، فإنه يحمل في الواقع رسالة مختلفة تمامًا. ذلك أن واشنطن لم تُبعد باراك عن المشهد. بل على العكس، وضعته على رأس أحد أكثر الملفات حساسية وأهمية في المنطقة.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو:

لماذا اختارت الولايات المتحدة توم باراك للعراق؟

واشنطن لم تتراجع

أدى تعيين باراك في منصبه العراقي إلى إضعاف العديد من الادعاءات التي جرى تداولها في الآونة الأخيرة.

فقد أُعيد فتح النقاش خصوصًا حول التفسيرات التي تحدثت عن ممارسة إسرائيل ضغوطًا دبلوماسية على باراك بسبب سياسته تجاه سوريا. لكن هذا القرار يُظهر أن ثقله داخل البيت الأبيض ما زال قائمًا.

والأهم من ذلك أنه يشير إلى أن المقاربة التي دافع عنها في سوريا لم يتم التخلي عنها بالكامل. لأن ملف العراق اليوم لم يعد منفصلًا عن الملف السوري.

فواشنطن بدأت في الفترة الأخيرة تنظر إلى البلدين باعتبارهما مجالًا جيوسياسيًا واحدًا.

استمرار الخط الموازي مع تركيا

عند النظر إلى اتصالات باراك في المنطقة، يبرز عنصر لافت يتمثل في التنسيق الوثيق الذي أقامه مع تركيا.

ففي قضايا مثل إعادة سوريا إلى دولة مركزية، وأمن الحدود، وممرات الطاقة، والتكامل الإقليمي، يبدو أن أرضية مشتركة أوسع قد تشكلت مؤخرًا بين أنقرة وواشنطن.

وتعزز المهمة العراقية هذا المشهد.

فالعراق اليوم يشكل مركز مشروع «طريق التنمية»، ونقطة عبور لممرات الطاقة، ومنطقة يوجد فيها حزب العمال الكردستاني، كما أنه أحد البلدان التي يُشعر فيها بالنفوذ الإيراني بأقوى صوره.

ومع تعيين باراك، يتضح أن واشنطن ستواصل دعم نموذج دولة أكثر مركزية واستقرارًا وتكاملًا في العراق.

ويتقاطع هذا التوجه بدرجة كبيرة مع الرؤية التي تدافع عنها أنقرة منذ فترة طويلة.

ساحة ضغط جديدة على إيران

أما إحدى أكثر نتائج القرار لفتًا للانتباه فتتعلق بالبعد الإيراني. فالعراق كان لسنوات طويلة إحدى أهم حلقات شبكة النفوذ الإقليمي لطهران.

فمن خلال الميليشيات المدعومة من إيران، والأحزاب السياسية، والشبكات الاقتصادية، تمكنت طهران من بناء تأثير كبير داخل العراق. غير أن المقاربة الأمريكية بدأت تتغير في الآونة الأخيرة. فالهدف لم يعد يقتصر على مواجهة الجماعات المدعومة من إيران، بل بات يتمثل في تعزيز القدرات المؤسسية للدولة العراقية.

والفرق بين هذين النهجين بالغ الأهمية.

فكلما ازدادت قوة مؤسسات الدولة، ضاق هامش الحركة أمام شبكات الميليشيات.

لا مؤشرات مريحة بالنسبة لحزب العمال الكردستاني

ومن النتائج اللافتة لتعيين باراك أيضًا ما يتعلق بتنظيم حزب العمال الكردستاني.

ففي الفترة الأخيرة، اتخذت كل من أنقرة وبغداد خطوات تهدف إلى تضييق مساحة تحرك الحزب داخل العراق.

ويُلاحظ على وجه الخصوص أن الحكومة العراقية تتبنى اليوم موقفًا مختلفًا تجاه التنظيم مقارنة بالسنوات السابقة. كما أن تأكيد واشنطن على ضرورة وجود دولة مركزية أقوى في العراق يدعم هذا المسار.

لأن أي معادلة تزداد فيها قدرات الدولة تؤدي بطبيعتها إلى تضييق المجال أمام الكيانات المسلحة والمستقلة ذاتيًا.

ولهذا السبب، لا يُنظر إلى انتقال باراك لتولي الملف العراقي باعتباره تطورًا إيجابيًا بالنسبة لحزب العمال الكردستاني.

الملفات الإقليمية تندمج

في الواقع، قد تشير التطورات الأخيرة إلى تحول أكبر.

فعلى مدى سنوات طويلة، كانت واشنطن تتعامل مع سوريا كملف منفصل، والعراق كملف منفصل، وإيران كملف منفصل، وكذلك مكافحة الإرهاب.

أما اليوم، فيبدو أن مقاربة أكثر شمولية بدأت تتبلور.

فاستقرار سوريا، وقدرات الدولة العراقية، ونفوذ إيران، وممرات الطاقة، ومساحات حركة التنظيمات الإرهابية، أصبحت جميعها أجزاءً من إطار استراتيجي واحد.

ولهذا السبب، فإن تعيين توم باراك في الملف العراقي ليس خطوة عادية. بل يحمل دلالات تتجاوز بكثير مجرد تغيير إداري أو دبلوماسي.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!