ترك برس

يرى الكاتب في صحيفة «صباح» التركية كرم ألكين أن الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس حزب العدالة والتنمية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مناسبة سياسية، بل بوصفها نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تهدف إلى نقل تركيا خلال ربع القرن المقبل من مرحلة بناء «القدرة الوطنية» إلى مرحلة التحول إلى «قوة عالمية». 

ويعتبر ألكين في مقال له أن السنوات الـ25 الماضية شهدت تعزيز قدرات تركيا في البنية التحتية والدفاع والدبلوماسية، وبناء ثقة متزايدة بقدراتها الذاتية، فيما تستهدف المرحلة المقبلة تحويل هذه القدرات إلى نفوذ اقتصادي وتكنولوجي وجيوسياسي عالمي.

ويقول ألكين إن تركيا شهدت خلال ربع القرن الماضي طفرة في البنية التحتية شملت النقل والاتصالات ومياه الشرب والطاقة، إلى جانب قفزة تاريخية في الصناعات الدفاعية المحلية والوطنية. كما وسعت أنقرة مجال تحركها الدبلوماسي الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى أن عدد بعثاتها الدبلوماسية وضعها ضمن الدول الخمس الأولى عالميًا من حيث عدد البعثات.

ويعتبر الكاتب أن الأهم من ذلك هو أن تركيا بنت، في ظل قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان «القوية والحازمة وذات الرؤية»، ثقة جديدة بقدرتها على الاعتماد على إمكاناتها الذاتية. ويرى أن التحدي الرئيسي للسنوات الـ25 المقبلة سيكون تحويل هذه القدرات المتراكمة إلى قوة عالمية مؤثرة.

السيادة على الإنتاج والتكنولوجيا

يضع ألكين «السيادة على الإنتاج والتكنولوجيا» في مقدمة الركائز التي ينبغي أن تقوم عليها المرحلة المقبلة، موضحًا أن عملية توطين القدرات التي بدأت في الصناعات الدفاعية يجب أن تمتد إلى القطاعات الاستراتيجية الأخرى في الاقتصاد.

ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وتقنيات الطاقة والطاقة النووية والفضاء والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات والمعادن الحرجة ستكون من أبرز ساحات المنافسة العالمية خلال المرحلة المقبلة.

ويربط الكاتب هذا التوجه باستراتيجية الصناعة والتكنولوجيا التركية لعام 2030، التي تضع زيادة القدرة المحلية على الإنتاج في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والقطاعات الحيوية ضمن أهدافها الأساسية.

ويقول إن هدف تركيا يتمثل في الانتقال إلى مجموعة الدول التي تصمم التكنولوجيا وتنتجها وتصدرها وتشارك في وضع معاييرها، معتبرًا أن تحقيق ذلك يتطلب بيئة استثمارية جاذبة، ومنظومة قوية للبحث والتطوير، وموارد بشرية مؤهلة، وشراكات دولية قادرة على توسيع حجم الإنتاج.

ويتوقع ألكين أن تشهد المرحلة المقبلة تسارعًا في الشراكات والاتفاقيات الاستراتيجية مع دول «القوى المتوسطة» الصاعدة ودول «الجنوب العالمي»، بما يعزز قدرة تركيا على توسيع أسواقها وشبكاتها الاقتصادية والتكنولوجية.

السيادة الجيوستراتيجية

أما الركيزة الثانية، بحسب الكاتب، فهي «السيادة الجيوستراتيجية»، في ظل انتقال العالم سريعًا نحو نظام متعدد الأقطاب ومراكز القوة.

ويرى ألكين أن تركيا تقع في قلب الخريطة الجيوسياسية الجديدة، مع إعادة تشكيل توازنات القوى بين المنظومة الأطلسية وأوراسيا وآسيا والمحيط الهادئ والجنوب العالمي.

ويشير إلى أن ممرات مثل «الممر الأوسط» و«طريق التنمية»، إلى جانب البحر الأسود وشرق المتوسط والقوقاز والخليج، تمنح تركيا موقعًا متقدمًا عند تقاطع الطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية والدبلوماسية العالمية.

كما يلفت إلى أهمية دمج ممرات الطاقة وخطوط النقل والبنية التحتية الرقمية في العالم التركي، معتبرًا أن هدف السنوات الـ25 المقبلة يجب أن يتمثل في الانتقال من «تركيا قوية» تؤدي دورًا في صناعة قواعد اللعبة وتحقيق التوازن، إلى «تركيا صانعة للنظام».

«تركيا بلا إرهاب» والاندماج الإقليمي

ويضع الكاتب «الاندماج المجتمعي والإقليمي» في المرتبة الثالثة، معتبرًا أن هدف «تركيا بلا إرهاب» لا يقتصر على الجانب الأمني، وإنما يحمل نتائج اقتصادية وجيوسياسية أوسع.

ويقول إن توفير بيئة دائمة من الأمن والسلام يمكن أن يسرّع الاستثمار والإنتاج والتجارة والتكامل الإقليمي، موضحًا أن النتيجة الجيو-اقتصادية للمشروع قد تتمثل في نشوء حوض جديد للتعاون الاقتصادي يتمحور حول تركيا ويمتد عبر العراق وسوريا والقوقاز والخليج.

ويرى ألكين أن المكاسب التي تتحقق من خلال الأمن والسلام المستدامين ينبغي تعزيزها عبر التنمية الاقتصادية الشاملة، معتبرًا أن «القيمة الاستراتيجية الحقيقية لتركيا بلا إرهاب» ستظهر في هذا المجال تحديدًا.

ويضيف أن دستورًا جديدًا يليق بتركيا القرن الحادي والعشرين، إلى جانب دولة قانون قوية ومؤسسات يمكن التنبؤ بقراراتها، تمثل عناصر مكملة لهذا التحول، لأن قوة الدولة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون دولة موثوقة، كما أن قوة الاقتصاد تحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة، والقوة الجيوسياسية تحتاج إلى قدرة مؤسسية قوية.

رأس المال البشري.. الثروة الوطنية الأكبر

ويعتبر ألكين أن الركيزة الرابعة والأخيرة هي «رأس المال البشري»، مؤكدًا أن أكبر ثروة وطنية لتركيا وهي تتجه نحو عام 2050 لن تتمثل في الطرق والمصانع ومحطات الطاقة أو أنظمة الدفاع فحسب، وإنما في الموارد البشرية المؤهلة وفق معايير تعليمية مرتفعة.

ومن هذا المنطلق، يضع الكاتب الشباب والأسرة والمرأة والتعليم والديموغرافيا ضمن منظومة استراتيجية واحدة، مشيرًا إلى إعلان الفترة 2026-2035 «عقد الأسرة والسكان»، وما يتضمنه ذلك من إعطاء الأولوية لتأهيل الشباب، ومعدلات الإنجاب، والأسرة، والتوزيع المتوازن للسكان.

ويرى أن الدول التي تنجح في إعداد شبابها في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية ليكونوا منتجين للتكنولوجيا، ومؤسسين للمشروعات، وقادرين على المنافسة عالميًا، ومستفيدين من تراكمهم الحضاري، ستكون الأقدر على التقدم في المرحلة المقبلة.

من بناء القدرة الوطنية إلى صناعة القوة العالمية

ويخلص ألكين إلى أن معادلة «رؤية قرن تركيا» خلال ربع القرن الثاني تكتمل عبر أربعة محاور هي: السيادة على الإنتاج، والسيادة الجيوستراتيجية، والسيادة المجتمعية، والسيادة الإنسانية.

ويعتبر أن السنوات الـ25 الأولى لحزب العدالة والتنمية كانت مرحلة لبناء القدرات، عززت طموح تركيا في النظام الاقتصادي والسياسي الدولي، بينما سيكون الاختبار الأكبر خلال السنوات الـ25 المقبلة هو تحويل هذه «القدرة الوطنية» المتراكمة إلى قوة إنتاج عالمية، وتفوق تكنولوجي، وديناميكية مجتمعية كبيرة، وتأثير لا غنى عنه في الطاولة الجيوسياسية التي يجري من خلالها تشكيل النظام العالمي الجديد.

ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن المرحلة الثانية من «قرن تركيا» تمثل فرصة أمام البلاد لترجمة الإنجازات والإصلاحات المتراكمة إلى نفوذ عالمي أكثر رسوخًا، متمنيًا أن تكون السنوات الـ25 المقبلة مرحلة خير ونجاح لتركيا.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!