
ترك برس
يرى رئيس جامعة كوتاهيا دوملوبينار التركية، البروفيسور سليمان كيزيل توبراك، أن التطورات المتزامنة في غزة والبحر الأحمر وسبتة والصحراء الغربية تكشف عن تشكل خط صدع جيوسياسي جديد في البحر المتوسط، بعدما باتت أزمات شرق المتوسط وغربه مترابطة ضمن منظومة استراتيجية واحدة.
ويشير كيزيل توبراك، في مقال نشرته صحيفة «إندبندنت تركي»، إلى أن أزمة الهجرة في سبتة، التي تكررت خلال يوليو/تموز 2026، لا يمكن فهمها باعتبارها أزمة حدودية أو إنسانية فقط، لافتاً إلى أن تزامنها مع الحرب في غزة وأزمة البحر الأحمر والتحولات الدبلوماسية المرتبطة بالصحراء الغربية يمنحها أبعاداً جيوسياسية أوسع.
أزمات مترابطة في المتوسط
يؤكد الكاتب أن المسافة الجغرافية لم تعد تعني بالضرورة مسافة استراتيجية، في ظل تشابك طرق الطاقة والتجارة البحرية والهجرة والبنية التحتية الحيوية والتحالفات الدبلوماسية.
وبحسب كيزيل توبراك، فإن ما يحدث في غزة لم يعد شأناً يخص شرق المتوسط وحده، بل يؤثر أيضاً في السياسة الخارجية الإسبانية وحسابات المغرب الدبلوماسية واستراتيجية الجزائر في مجال الطاقة ومقاربة الاتحاد الأوروبي للأمن.
ويرى أن شرق المتوسط وغربه لم يعودا ملفين جيوسياسيين منفصلين، بل أصبحا جزءين متداخلين من منظومة استراتيجية واحدة، بحيث تمثل التطورات الممتدة من غزة إلى سبتة «هزات مختلفة على طول خط صدع جيوسياسي واحد».
تغير الخريطة الاستراتيجية للمتوسط
يوضح المقال أن غرب المتوسط كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره ساحة للهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود الجنوبية لأوروبا، في حين ارتبط شرق المتوسط بالحرب في غزة والتنافس على الطاقة والحدود البحرية والتوازنات العسكرية.
لكن هذه الثنائية، وفق الكاتب، بدأت تفقد معناها، إذ تؤثر أزمات البحر الأحمر عبر قناة السويس في الاقتصاد الأوروبي، بينما تنعكس الحرب في غزة على التوازنات الدبلوماسية في غرب المتوسط، ويمكن لتطورات الصحراء الغربية أن تؤثر في أمن الطاقة الأوروبي.
ويشير إلى أن سبتة ومليلية ومضيق جبل طارق تمثل منذ قرون نقاطاً استراتيجية للتحكم في حركة العبور بين أوروبا وإفريقيا، فيما يحتل مضيق جبل طارق أهمية حيوية لأمن الطاقة والتجارة البحرية العالمية والجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي «الناتو».
إسبانيا أمام معادلة معقدة
ويبرز الكاتب المعضلة التي تواجهها إسبانيا، مشيراً إلى أن حكومة بيدرو سانشيز تحاول إدارة ثلاثة أهداف استراتيجية في الوقت نفسه.
أولها الحفاظ على التعاون مع المغرب لضبط تدفقات الهجرة غير النظامية وتأمين الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وثانيها الحفاظ على علاقات مستقرة مع الجزائر التي تعد من أهم موردي الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وثالثها تبني موقف داعم للقضية الفلسطينية، إذ كانت مدريد من أبرز الدول الأوروبية التي دفعت باتجاه الاعتراف بدولة فلسطين وانتقدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
ويعتبر كيزيل توبراك أن هذه المواقف لا تؤثر في سياسة إسبانيا تجاه الشرق الأوسط فقط، وإنما تنعكس أيضاً على التوازنات الدبلوماسية في غرب المتوسط.
المغرب يضع الصحراء الغربية في صدارة أولوياته
ويرى الكاتب أن سبتة ومليلية ليستا الهدف الاستراتيجي الرئيسي للمغرب، خلافاً لما يُعتقد أحياناً في أوروبا، مشيراً إلى أن الأولوية بالنسبة للرباط تتمثل في قضية الصحراء الغربية.
ويقول إن المغرب بنى جانباً كبيراً من سياسته الخارجية خلال السنوات الأخيرة حول تعزيز موقفه بشأن الصحراء الغربية، مستفيداً من مسار التطبيع مع إسرائيل، واعتراف الولايات المتحدة بسيادته على المنطقة، وتوسيع علاقاته الدبلوماسية في إفريقيا، وتطوير شراكات جديدة مع الدول الأوروبية.
وفي هذا السياق، لم تعد الهجرة، بحسب المقال، مجرد قضية إنسانية، بل تحولت إلى ورقة تفاوض مهمة في العلاقات بين المغرب وأوروبا.
ويستشهد الكاتب بأحداث سبتة في نهاية يوليو/تموز، عندما حاول آلاف المهاجرين غير النظاميين الوصول إلى الأراضي الأوروبية انطلاقاً من السواحل المغربية، ما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا ودفع إسبانيا إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.
الجزائر.. لاعب هادئ في معادلة المتوسط
يصف كيزيل توبراك الجزائر بأنها واحدة من أهم اللاعبين في جيوسياسية غرب المتوسط رغم أنها لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام.
فالجزائر، وفق الكاتب، تمثل مورداً مهماً للطاقة بالنسبة إلى أوروبا في ظل سعي الأخيرة إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، كما أنها أحد المحددات الأساسية لتوازن القوى في غرب المتوسط.
ويشير إلى أن قضية الصحراء الغربية بالنسبة إلى الجزائر لا تقتصر على التنافس التاريخي مع المغرب، بل ترتبط أيضاً بصراع النفوذ في شمال إفريقيا وبالشراكة الاستراتيجية في مجال الطاقة مع أوروبا.
وعليه، فإن التنافس في غرب المتوسط لا يمكن اختزاله في خلاف حدودي بين المغرب وإسبانيا، بل يشمل أمن الطاقة الأوروبي، وتوازن القوى في شمال إفريقيا، واستراتيجية إسرائيل للتطبيع الإقليمي، وقضية الصحراء الغربية، وسياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحدود والهجرة.
من البحر الأحمر إلى جبل طارق
يرى المقال أن التطورات في البحر الأحمر تمثل أوضح مثال على تحول المتوسط إلى نظام جيوسياسي مترابط.
فالهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي ضد السفن التجارية الدولية لم تؤثر في أمن مضيق باب المندب فقط، وإنما انعكست أيضاً على الاقتصاد الأوروبي، بعدما اضطرت شركات شحن عديدة إلى تجنب قناة السويس واختيار طريق الالتفاف حول إفريقيا.
وأدى ذلك إلى إطالة زمن الشحن وارتفاع تكاليف النقل وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد الأوروبية.
ويخلص الكاتب إلى أن الأزمة قد تكون بدأت في البحر الأحمر، لكن آثارها امتدت إلى مضيق جبل طارق وحتى ميناء روتردام، ما يؤكد أن حادثاً في قناة السويس يمكن أن يؤثر في حركة الملاحة في جبل طارق، وأن الحرب في غزة يمكن أن تغير حسابات الطاقة الأوروبية، فيما يمكن للتوتر الدبلوماسي حول الصحراء الغربية أن يعيد تشكيل سياسات بروكسل بشأن الهجرة.
عودة أهمية مضيق جبل طارق
ويشير كيزيل توبراك إلى أن أهمية مضيق جبل طارق تتزايد مجدداً في ظل هذه المعادلة، باعتباره الممر الطبيعي الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي.
ولا تقتصر أهمية المضيق، بحسب الكاتب، على الجانب العسكري، بل تشمل واردات الطاقة الأوروبية، ونقل الحاويات، وكابلات الاتصالات البحرية، وشحنات الغاز الطبيعي المسال، وعمليات الناتو البحرية.
ويؤكد أن مفهوم القوة البحرية نفسه تغير؛ فلم تعد قوة الدولة تقاس فقط بحجم أسطولها البحري وعدد قواعدها العسكرية، بل أصبحت الموانئ ومحطات الغاز والكابلات البحرية ومراكز الخدمات اللوجستية وممرات النقل الحيوية عناصر أساسية في القوة البحرية.
وبالتالي، فإن التأثير في المتوسط لا يعني امتلاك السفن الحربية فقط، وإنما القدرة على ضمان استمرار التجارة والطاقة وتأمين خطوط الملاحة وتنسيق المواقف الدبلوماسية خلال الأزمات.
التنافس الأمريكي والصيني والروسي
ينتقل الكاتب إلى التنافس بين القوى الكبرى في المتوسط، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين وروسيا تنظر إلى المنطقة من زوايا مختلفة.
فالولايات المتحدة تعتبر المتوسط أساسياً لأمن الجناح الجنوبي للناتو ولتعزيز قدرة أوروبا على الصمود استراتيجياً، بينما تنظر الصين إليه باعتباره جزءاً مهماً من الممر البحري لمبادرة الحزام والطريق وطريقاً رئيسياً إلى الأسواق الأوروبية.
أما روسيا، فتعتبر المتوسط امتداداً لنفوذها العسكري من البحر الأسود إلى سوريا، وأداة مهمة لموازنة الجناح الجنوبي لحلف الناتو.
ورغم اختلاف استراتيجيات القوى الثلاث، فإنها تدرك، وفق الكاتب، أن السيطرة على المتوسط تمنح قدرة واسعة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة والأمن بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
لذلك لم يعد التنافس يقتصر على القطع البحرية، وإنما يشمل الاستثمارات في الموانئ ومحطات الطاقة وكابلات البيانات وشبكات النقل واللوجستيات والعقوبات الاقتصادية والشراكات الدبلوماسية.
تداعيات التحولات على تركيا
ويرى كيزيل توبراك أن التحولات الجديدة تفرض على تركيا إعادة النظر في مقاربتها الاستراتيجية للمتوسط.
فالنقاش التركي حول المتوسط ركز لفترة طويلة على موارد الطاقة والحدود البحرية والتنافس على حقول الهيدروكربونات في شرق المتوسط، لكن التطورات الحالية تجعل الخط البحري الممتد من جبل طارق إلى قناة السويس منظومة استراتيجية واحدة.
ويؤكد أن تطورات غرب المتوسط باتت تؤثر في التجارة الخارجية التركية وأمن الطاقة والنقل البحري وموقع أنقرة داخل الناتو، إلى جانب تأثيرها التقليدي في شرق المتوسط.
ومن ثم، يدعو الكاتب تركيا إلى توسيع رؤيتها للمتوسط لتشمل، إلى جانب الحدود البحرية، ممرات النقل وشبكات الموانئ والبنية التحتية الحيوية والاتصالات الرقمية والدبلوماسية متعددة الأطراف.
المتوسط.. منظومة جيوسياسية واحدة
يخلص كيزيل توبراك إلى أن التطورات الممتدة من غزة إلى سبتة تكشف عن تحول جوهري في طبيعة النظام الدولي، حيث لم تعد الأزمات تبدأ وتنتهي داخل حدود جغرافية محددة.
فالحرب يمكن أن تؤثر في أسواق الطاقة، وتقلبات الطاقة يمكن أن تغير الخيارات الدبلوماسية، والخيارات الدبلوماسية يمكن أن تؤثر في حركة الهجرة، فيما تدفع ضغوط الهجرة أوروبا إلى إعادة تعريف منظومتها الأمنية.
ويؤكد أن جيوسياسية القرن الحادي والعشرين لم تعد تقوم على أزمات إقليمية معزولة، وإنما على شبكات استراتيجية مترابطة، مشيراً إلى أن البحر المتوسط لم يعد مجرد بحر يفصل أوروبا عن إفريقيا، بل أصبح ملتقى استراتيجياً تتقاطع فيه المنافسة بين القوى الكبرى وأمن الطاقة وطرق التجارة والأزمات الإقليمية.
ومن غزة إلى سبتة، يرى الكاتب أن خط الصدع الجيوسياسي الجديد في المتوسط يمثل أحد أبرز مؤشرات هذا التحول.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











