ترك برس

في ظل الجدل الذي أثاره تقرير إسرائيلي عن تحرك تركي محتمل لدفع سوريا نحو اتفاق سلام مع إسرائيل، عاد النقاش داخل إسرائيل حول طبيعة أي ترتيبات أمنية وسياسية محتملة مع دمشق، ومدى قدرتها على الصمود في منطقة تتسم بتغير التحالفات وتبدل الحسابات.

وفي هذا الصدد، أكد البروفيسور إيال زيسر، في مقال نشرته صحيفة "إسرائيل اليوم"، أن التقرير أثار ضجة داخل إسرائيل، لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن ما ورد فيه لا يمثل مفاجأة كبيرة بالنظر إلى طبيعة العلاقات السياسية في الشرق الأوسط. حسبما نقل موقع "عربي21".

وأشار زيسر إلى أنه حتى إذا ثبتت صحة التقرير، وإذا كان ما يتحدث عنه خطيراً بالفعل، فإنه لا يرتبط بالضرورة بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، مؤكداً أن التعاملات السياسية في الشرق الأوسط كثيراً ما تقوم على حديث الأطراف وتصرفها بعيداً عن بعضها، فيما لا تكون التصريحات المعلنة دائماً انعكاساً لما تضمره هذه الأطراف.

وقال إن النتيجة في كثير من الأحيان تكون أن "الجميع يخدع الجميع"، في إشارة إلى العرب والإيرانيين والأتراك وحتى الأمريكيين.

وأوضح زيسر أن فكرة توقيع اتفاقية سلام عندما تقتضي المصلحة ذلك، ثم انتهاكها عندما تنتفي الحاجة إليها، ليست جديدة في المنطقة، مشيراً إلى أنها، وفق عرضه، تعود إلى مفهوم راسخ في الإسلام منذ عهد النبي محمد.

واستشهد بمعاهدة الحديبية التي وقّعها النبي محمد عام 628 مع أهل مكة، وكانت اتفاقية لمدة عشر سنوات من دون حرب، لكنه قال إنه بعد عام، وعندما شعر النبي بأنه أصبح قوياً بما يكفي لمواجهتهم، انتهت المعاهدة بالهجوم على مكة وفتحها.

وأضاف زيسر أن هذه الممارسة ليست بالضرورة حكراً على الشرق الأوسط، بل إنها معروفة على نطاق واسع في العلاقات الدولية. واستشهد باتفاقية مولوتوف-ريبنتروب، وهي اتفاقية عدم اعتداء وقّعها أدولف هتلر ويوسف ستالين في آب / أغسطس 1939، قبل أن تنقضها ألمانيا بعد عامين وتهاجم الاتحاد السوفيتي في حزيران / يونيو 1941.

كما أشار إلى إيران، قائلاً إن من الممكن أيضاً الاستشهاد بالاتفاق النووي الذي وقّعته طهران، والذي يرى أنه لم تكن تنوي الالتزام به.

زيسر: التقرير يفتقر إلى المعلومات الأساسية

وعاد زيسر إلى جوهر التقرير، معتبراً أن ما نشر يمثل "صحافة رديئة"، لأنه لا يمكن، بحسب رأيه، استخلاص دروس حقيقية منه في ظل غياب المعلومات الأساسية.

وأكد أن السؤال الأهم هو: من قال ذلك، ولمن، وفي أي سياق؟ ولفت إلى أن ما ورد في التقرير ربما يكون مجرد محادثة خاصة وغير ملزمة بين قادة أثناء لقاء عابر على فنجان قهوة، أو ربما يكون قد قيل خلال اجتماع رسمي جرى فيه تدوين محضر، مشدداً على أن السياق الذي قيلت فيه التصريحات المزعومة لا يزال غير واضح.

وتساءل زيسر عما إذا كان الحديث يدور بالفعل عن خطة لتدمير إسرائيل، على غرار الخطط التي روجت لها إيران في وقت سابق، أم أن الأمر لا يتجاوز تصريحاً عابراً وغير ملزم.

وقارن ذلك بما وصفه بالتصريحات التي يبرع الأمريكيون في استخدامها خلال مفاوضاتهم مع إيران، وكذلك في ملفات غزة ولبنان وسوريا، بل وحتى عندما يتحدثون باسم إسرائيل.

وأشار إلى تصريحات تدعو، بحسب رأيه، إلى عدم التعامل بجدية مع التزامات الجيش اللبناني أو حركة حماس، باعتبار أن المطلوب أحياناً هو مجرد إظهار وجود تحرك سياسي، حتى يتمكن الأمريكيون من تهدئة إسرائيل.

مبارك والأسد.. نموذج السلام المصري

وتطرق زيسر إلى موقف الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، عندما حاول إقناع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل.

وقال إن مبارك أبلغ الأسد آنذاك بأنه لا داعي للانفعال إزاء المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالتطبيع، لأن التطبيع، كما حدث في الحالة المصرية، لم يثمر شيئاً، وأن إسرائيل تعرف ذلك.

ومع ذلك، شدد زيسر على أن مصر حافظت على السلام على حدودها مع إسرائيل لما يقارب خمسين عاماً. وأضاف أن من "حسن حظ" من سارعوا إلى توضيح أن مصر ليست الدولة المقصودة في التقرير، في إشارة إلى أن الحديث عن تحرك تركي وسوري وليس مصرياً.

ويرى زيسر أن المنطق البسيط يقود إلى أن الأمر يتعلق على الأرجح بتركيا وسوريا، وبترتيب سياسي يسعى الأمريكيون إلى تعزيزه بين إسرائيل ودمشق.

قوة إسرائيل وراء اتفاقيات السلام

وفي ختام تحليله، حدد زيسر عدداً من النقاط التي يرى ضرورة أخذها في الاعتبار عند التعامل مع أي اتفاق محتمل.

وقال أولاً إن السبب الذي دفع الدول العربية إلى توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل لم يكن "حب صهيون"، وإنما قوة إسرائيل، مؤكداً أنه طالما حافظت إسرائيل على قوتها، فلا يوجد ما يدعو إلى الخوف على مستقبل اتفاقيات السلام.

وأشار ثانياً إلى ضرورة أن تحافظ إسرائيل على الحذر واليقظة التامة، سواء في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر، وألا تكتفي باستخدام القوة من حين إلى آخر، بل أن تبقى في حالة يقظة مستمرة حتى لا تتمكن أي جهة من مفاجأتها.

أما النقطة الأخيرة، فتتعلق بقيمة الاتفاقيات قصيرة الأجل. وأكد زيسر أن الاتفاق المؤقت يمكن أن تكون له قيمة حتى لو كان محدود المدة، طالما أن إسرائيل لم تضطر إلى التضحية بشيء ولم تعرض أمنها للخطر.

وأوضح أنه إذا وقّعت إسرائيل اتفاقية تعود عليها بالنفع، من دون تقديم تنازلات تمس أمنها، فإن الاتفاق يظل ذا قيمة حتى لو كان قصير الأجل.

وختم زيسر بالتأكيد على أن طبيعة الشرق الأوسط تقوم على التغير المستمر، وأن "كل شيء زائل ومؤقت"، ولذلك فإن الاتفاقيات المؤقتة نفسها يمكن أن تكون مفيدة ما دامت تخدم المصالح الإسرائيلية ولا تأتي على حساب أمنها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!