ترك برس

سلّط رئيس غرفة تجارة إسطنبول شكيب أوداغيتش الضوء على كتاب نادر يوثق تاريخ النقود المعدنية في الدولة العثمانية، داعيا الباحثين والمهتمين بتاريخ الاقتصاد والنقود إلى الاستفادة من الكتاب المحفوظ ضمن مجموعة مكتبة «دار السعادة» التابعة لغرفة تجارة إسطنبول.

وقال أوداغيتش، في منشور عبر منصة «إكس»، إنه يرغب في مشاركة كتاب «Osmanlılarda Madenî Paralar» (النقود المعدنية لدى العثمانيين)، الذي أعده الباحث والمتخصص في علم المسكوكات نوري بيري، مشيرا إلى أن العمل يمثل أحد المؤلفات المهمة في تاريخ علم المسكوكات التركي.

وأوضح أن الكتاب، الصادر عام 1968، يتناول النقود العثمانية المصنوعة من الذهب والفضة والنحاس، ويرتبها وفقا لتسلسل السلاطين، إلى جانب تقديم معلومات تفصيلية عن أنواع النقود وخصائص دور سك العملة.

ويستعرض الكتاب، بحسب أوداغيتش، أنواعا متعددة من النقود العثمانية، بينها الأقجة (Akçe)، والمنغير (Mangır)، والسلطاني (Sultânî)، والقروش (Kuruş)، والمجيدية (Mecidiye)، والليرة، ما يجعله مصدرا لا يقتصر على دراسة العملات المعدنية، بل يقدم أيضا صورة عن تطور النظام النقدي والاقتصادي العثماني.

وتؤكد البيانات الببليوغرافية أن الكتاب نُشر في إسطنبول عام 1968، ويقع في 309 صفحات، فيما يحمل عنوانا إنجليزيا هو Coins of the Ottoman Empire. كما توجد له نسخ في مكتبات ومجموعات بحثية متخصصة، بينها مكتبة مؤسسة التاريخ التركي.

كتاب ارتبط بتطور دراسة المسكوكات في تركيا

ولا تقتصر أهمية الكتاب على محتواه، إذ ارتبط ظهوره بمرحلة مهمة من تطور الاهتمام بعلم المسكوكات في تركيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

وبحسب معلومات منشورة عن مجموعة «ياپي كريدي» للمسكوكات، بدأت محاولات تشكيل المجموعة في خمسينيات القرن الماضي، واستمرت حتى عام 1994، قبل أن تجمع المؤسسة مجموعات عدد من أبرز هواة جمع العملات والباحثين في هذا المجال.

وفي عام 1967، أقيم بالتعاون مع متحف إسطنبول للآثار أول معرض للعملات خارج متاحف الدولة في تركيا، وعُرضت خلاله 5 آلاف قطعة من النقود والميداليات العثمانية. وأعقب ذلك نشر كتاب «النقود المعدنية لدى العثمانيين»، الذي أصبح لاحقا مرجعا في مجال دراسة المسكوكات العثمانية.

وتظهر أهمية الكتاب في الدراسات الأكاديمية أيضا من خلال استمرار الاستناد إليه في أبحاث متخصصة حديثة. فقد استخدمت دراسات في تاريخ المسكوكات العثمانية كتاب نوري بيري مرجعا لتحديد خصائص العملات ومواقع سكها وقراءة النقوش الموجودة عليها.

كما تدرج موسوعة الإسلام التركية «TDV İslâm Ansiklopedisi» كتاب بيري ضمن المراجع الأساسية في عدد من مداخلها المتعلقة بالنقود العثمانية، من بينها «المجيدية» و«القروش» و«المسكوكات»، وهو ما يعكس استمرار حضوره في الأدبيات المتخصصة بتاريخ النقد العثماني.

نوري بيري.. اسم بارز في علم المسكوكات

ويُعد نوري بيري من الأسماء التي أسهمت في تطوير دراسة علم المسكوكات في تركيا. وتشير سيرة منشورة عنه إلى أنه شارك في تأسيس بنك «ياپي كريدي» عام 1944، وتولى لاحقا منصب المدير العام فيه، كما كان من الشخصيات المؤسسة للجمعية التركية لعلم المسكوكات، ولعب دورا في تطور هذا المجال في تركيا. وتوفي بيري عام 1983.

ويقدم كتابه نموذجا للدراسات التي تربط بين القطعة النقدية باعتبارها أثرا ماديا وبين التاريخ الاقتصادي والسياسي للدولة؛ فالعملة تحمل عادة اسم السلطان وتاريخ الضرب ومكانه وعبارات ونقوشا تعكس جوانب من النظام السياسي والإداري والنقدي في الحقبة التي صدرت فيها.

وتشير دراسة أكاديمية صادرة عن جامعة إسطنبول إلى أن النظام النقدي العثماني اعتمد في مراحل مبكرة على الأقجة الفضية، ثم دخل الذهب إلى النظام النقدي في عهد السلطان محمد الفاتح، فيما ظهرت القروش الفضية منذ القرن السادس عشر، إلى جانب العملات النحاسية التي استخدمت لتلبية احتياجات التداول اليومي. كما أدى تعدد العملات المحلية والأجنبية واختلاف أوزانها وعياراتها إلى نشوء فروق في أسعارها وظهور فئة الصيارفة المتخصصة في التعامل بها.

وتبرز هذه التحولات مدى ارتباط تاريخ النقود بتاريخ الدولة الاقتصادي؛ إذ شهد النظام النقدي العثماني تغيرات في قيمة العملات وعياراتها، كما انتقلت أهمية بعض الوحدات النقدية من التداول الفعلي إلى استخدامها كوحدات حسابية مع مرور الزمن. وتوضح دراسة حديثة من جامعة إسطنبول أن الأقجة، التي كانت وحدة أساسية في النظام النقدي العثماني، تعرضت لتعديلات متكررة في قيمتها، قبل أن تتراجع مكانتها في التداول خلال القرن السابع عشر.

«دار السعادة».. الكتاب ضمن مجموعة بحثية في إسطنبول

ويأتي إبراز الكتاب من قبل أوداغيتش في سياق اهتمام غرفة تجارة إسطنبول بالحفاظ على الكتب والمصادر المرتبطة بتاريخ التجارة والاقتصاد والثقافة في المدينة.

وتقع مكتبة «دار السعادة» داخل مبنى ليمان خان التاريخي في منطقة أمينونو بإسطنبول، وهو مبنى شُيّد في بدايات القرن العشرين وصممه المهندس المعماري وداد تك، وأعيد ترميمه من قبل غرفة تجارة إسطنبول وتحويله إلى فضاء للثقافة والفنون والبحث.

وبحسب غرفة تجارة إسطنبول، تضم المكتبة منشورات في مجالي التجارة والاقتصاد إلى جانب مجموعات خاصة، بينما خُصصت طوابق أخرى لعرض مؤلفات إسطنبول النادرة ولعمل مركز إسطنبول للتأبحاث الاستراتيجية التابع للغرفة.

ويمنح وجود كتاب «النقود المعدنية لدى العثمانيين» ضمن هذه المجموعة فرصة للباحثين والمهتمين بتاريخ الاقتصاد العثماني والمسكوكات للعودة إلى أحد الأعمال المرجعية التي صدرت في ستينيات القرن الماضي، والتي لا تزال تحضر في البحوث الأكاديمية المتخصصة بعد أكثر من نصف قرن على نشرها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!