
ترك برس
في خضم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، تبرز تطورات متداخلة تجمع بين الخطط العسكرية التكنولوجية، والتصريحات السياسية المتضاربة، والرسائل الرمزية ذات الطابع الديني والتاريخي. ويتناول الكاتب التركي غوربوز إيفرين في مقال بموقع «إندبندنت تركية» هذه المشاهد، بدءاً من تحذيرات كييف بشأن المجال الجوي الروسي، مروراً بالهجمات على القطارات والاتهامات المتبادلة، وصولاً إلى خطوة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بإرسال رفات تاريخية إلى الجبهة:
كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد حذر سابقاً شركات الطيران والتأمين قائلاً إن أوكرانيا أغلقت المجال الجوي الروسي، لكن الموضوع طواه النسيان إلى حد كبير خلال أيام قليلة. ويتساءل الكاتب: كيف كان لأوكرانيا أن تغلق المجال الجوي الروسي فعلياً؟
وهنا يقدم سيرهي بيسكريستوف، المستشار التكنولوجي لزيلينسكي، تفاصيل مهمة عن الخطة. فوفقاً له، تتضمن الخطة إرسال ألف طائرة مسيرة كل ليلة لمهاجمة الأهداف الاقتصادية والعسكرية داخل روسيا ووقف حركة الطيران التجاري. ويؤكد أنه لا حاجة حتى لمهاجمة المطار مباشرة؛ فمجرد تحليق المسيرات فوقه كافٍ لإغلاقه.
ويصف بيسكريستوف الصراع بأنه «حرب مدن وحرب بنية تحتية»، محذراً من أنها حرب لا يمكن لأحد أن يفوز بها، وستدمر اقتصاد البلدين وبنيتهما التحتية على حد سواء. ويتوقع أن روسيا، التي تنتج أكثر من مئة صاروخ باليستي عالي السرعة شهرياً، قد تقصف أنظمة الكهرباء والمياه والتدفئة في كييف بشكل مستمر هذا الشتاء، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمر الجيش بالاستعداد لضرب المنشآت الطاقوية الأوكرانية.
وفي سياق متصل، شهد ملف صواريخ باتريوت تطوراً. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استمرار المفاوضات بشأن منح أوكرانيا ترخيصاً لإنتاج صواريخ باتريوت «أقل تطوراً»، دون توضيح نوع الصواريخ المقصودة تحديداً. كما زعم ترامب أن ارتفاع أسعار الوقود عالمياً ناتج عن الصراع الأوكراني الروسي وليس عن الحرب مع إيران، مدعياً أن كييف وموسكو اتفقتا على عدم استهداف مصافي النفط والمنشآت الطاقوية بعد الآن. غير أن تصريح زيلينسكي بأنه «لا يعتقد أن روسيا ستلتزم بأي اتفاق» يثير الشكوك حول مصداقية إعلان ترامب.
من جانبه، طرح وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي سيناريو لافتاً لا يشمل الولايات المتحدة. فوفقاً له، إذا هاجمت روسيا حلف الناتو، فإن القوات الجوية الأوروبية للحلف قادرة وحدها على الرد، وتملك القدرة على تدمير نصف مصافي النفط الروسية بسرعة، دون الحاجة إلى الدعم الأميركي.
أما الهجوم بالطائرة المسيرة على قطار أوكراني كان يقل دبلوماسيين أوروبيين قرب الحدود البولندية، فلم يلقَ رداً مباشراً من موسكو على الاتهامات الموجهة إليها. ويقدم الكاتب تفاصيل إضافية مهمة: قبل عشرين دقيقة من الحادث، مرّ من المنطقة نفسها قطار آخر كان يقل رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون ودبلوماسيين معظمهم بريطانيون، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هؤلاء هم الهدف الحقيقي.
كما ترددت مزاعم بوجود مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السابق ديفيد بترايوس في قطار آخر بالمحطة نفسها. أما المصادر الاستخباراتية العسكرية الروسية فذهبت إلى تفسير مختلف، مشيرة إلى أن مرافقي جونسون لم يكونوا دبلوماسيين بل ضباطاً بريطانيين يخططون لضربات الجيش الأوكراني على مصافي النفط الروسية.
وأكدت هذه المصادر أن الدعم البريطاني الشامل لأوكرانيا لمواصلة الحرب يثير انزعاج موسكو الشديد، وأن تحركات بترايوس في الدول المجاورة لأوكرانيا تخضع لمراقبة دقيقة. ويرى الكاتب أنه يمكن تفسير الهجوم الروسي على القطار كرسالة إلى لندن، ورد فعل غير مسبوق في شدته على الدعم العسكري والاستخباراتي البريطاني الكبير للجيش الأوكراني.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية، تحركت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لتعزيز الروح المعنوية للجنود في الجبهة. فقد أرسلت صندوقاً يحتوي على قطعة من اليد اليمنى للأمير الروسي ديمتري دونسكوي الذي عاش في القرن الرابع عشر. ويُعد دونسكوي بطلاً وطنياً بعد انتصاره على المغول عام 1380.
وجاء في بيان الكنيسة: «لقد جاء الأمير القائد المقدس إلى المكان الذي يُحسم فيه مصير الوطن اليوم. وأخذ مكانه بشكل غير مرئي في صفوف جنودنا نفسها». وأوضحت أن الرفات ستقوي الجنود معنوياً وتساعدهم على تحقيق النصر. نُقلت القطعة أولاً إلى منطقة دونيتسك حيث أقيم قداس مشترك بين رجال الدين وممثلي الجيش الروسي، على أن تُطاف بها على طول الجبهة. وليست هذه الخطوة الأولى من نوعها؛ ففي مطلع عام 2026 أرسلت الكنيسة أيضاً رفات أمير وبطل عسكري من العصور الوسطى آخر هو ألكسندر نيفسكي إلى الجبهة.
هكذا يرسم الكاتب التركي غوربوز إيفرين صورة لحرب متعددة الأبعاد: طائرات مسيرة تغلق أجواء ومدناً، واتهامات متبادلة برسائل عسكرية موجهة عبر القطارات، ودعوات دينية تاريخية تستدعي أبطال القرون الوسطى لتعزيز معنويات الجنود في خنادق القرن الحادي والعشرين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











