برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التي توصف بأنها أكبر استعراض دبلوماسي في العالم، سافر الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، محلقا فوق مقر الأمم المتحدة في نيويورك. ولم يكلف نفسه حتى عناء إلقاء التحية على المجتمع الدولي في اجتماعات الأمم المتحدة.

ذلك أن العالم، بالنسبة إلى شي، لم يكن سوى الولايات المتحدة. وكان قد جرى التخطيط لعقد ثلاثة لقاءات أخرى بين زعيمي البلدين خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في مايو/أيار. وتشكل زيارة شي هذه اللقاء الثاني من أصل أربعة لقاءات مخطط لها. وسيلتقي الزعيمان مرتين أخريين حتى عام 2028.

إن وتيرة الزيارات هذه، بحد ذاتها، تشير إلى تحالف عالمي جديد وتعاون جديد. وبات يتأكد تدريجيا أن النظام الجديد سيكون أيضا «تحالف مجموعة G2»، الذي سينشأ من التفاهم الجديد بين الولايات المتحدة والصين.

لم يكن في المحادثات التي جرت في واشنطن سوى دولتين من مركز القوة العالمية. ويبدو أن المحادثات بين هذين الطرفين ستفضي إلى نتائج ملموسة في السياسة العالمية أكثر مما تفضي إليه الأمم المتحدة.

إن تحالف القوة الجديد هذا لا يقوم على القواعد، ولا يمتلك بنية متعددة الأطراف. ولن يخدم المصالح العالمية، بل مصالح دولتين فقط. وسنشهد أن الصين، التي تدفعها الولايات المتحدة إلى الواجهة، ستضطلع من الآن فصاعدا بدور أكثر نشاطا في التطورات العالمية. ذلك أن الولايات المتحدة تريد الآن من الصين أيضا أن تتحمل نصيبها من تقاسم القوة العالمية والتكاليف.

وفي الواقع، اجتاز التحالف العالمي الجديد بين البلدين بنجاح العديد من الاختبارات، مثل تايوان وفنزويلا وإيران وسوريا وأوكرانيا، فضلا عن الحروب التجارية وحروب التكنولوجيا المتقدمة.

لقد فُتح الآن فصل جديد في تحالف مجموعة G2. فالولايات المتحدة والصين تتقدمان نحو تفاهم جديد في مجالي التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. وتذكّر هذه الخطوة بالمحادثات الأولى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشأن الأسلحة النووية والاستراتيجية.

في مثل هذه المحادثات التاريخية، التي تغيّر التوازنات الاستراتيجية والجيوسياسية بالكامل، يفرض الأطراف، إلى حد ما، قواعدهم الخاصة على العالم بفضل التكنولوجيا المتقدمة التي يمتلكونها. لم يكن على طاولة المفاوضات في نيويورك سوى شخصين. وبطبيعة الحال، لم يكن بقية العالم، الذي اجتمع في اجتماعات الأمم المتحدة، سوى قائمة طعام على تلك الطاولة.

لا شك في أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة أعمق بكثير مما يُعتقد. وتُظهر الشراكات في أزمات «Hugging Face» وفنزويلا وإيران مدى متانة تحالف مجموعة G2. ففي يوليو/تموز، تسللت وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعون لشركة «OpenAI» إلى منصة الذكاء الاصطناعي «Hugging Face». وعندما عجزت الولايات المتحدة عن حل المشكلة، طلبت المساعدة من نموذج الذكاء الاصطناعي GLM-5.2، الذي طورته شركة Z.ai الصينية. وسرعان ما حلت الصين المشكلة.

وفي حرب إيران أيضا، كان من المتوقع أن ترتفع أسعار النفط إلى 150 دولارا مع إغلاق مضيق هرمز. لكن ذلك لم يحدث. لماذا؟ تدخلت بكين مرة أخرى وأنقذت الولايات المتحدة. فقد خفضت الطلب على النفط في السوق الداخلية الصينية إلى 4 ملايين برميل، وأبقت الأسعار تحت السيطرة.

وبالتالي، وكما ورد في كتاب «قفل داروين»، فإن معظم العالم يعيش في وهم التعرف إلى تشارلز داروين من جانب واحد. ففي بيئة قاسية، لا تقتصر الكائنات الحية على التنافس من أجل القضاء على بعضها بعضا، بل تكون مدفوعة أيضا إلى زيادة تعاونها المتبادل. وهذه النظرية الداروينية الثانية هي بالضبط ما يصف العلاقات الأمريكية الصينية الراهنة.

ولا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة، خلافا للاتحاد السوفيتي، أمضت أربعين عاما داخل النظام البيئي نفسه مع الصين. فمنذ عام 1994، تدعم الولايات المتحدة الصين برأس مالها وتكنولوجيتها. والبلدان يمتلكان اقتصادا وتكنولوجيا متداخلين.

وخلاصة القول، فإن أي حرب، باردة كانت أم ساخنة، ستلحق الضرر بكليهما. ولهذا السبب، يعملان على تعميق حياتهما الجيوسياسية التكافلية إلى أقصى حد ممكن. ففي عالم لا يبقى فيه إلا الأقوياء، يتحالف الآن الأقوى. لقد باتت الطبيعة الجيوسياسية تجبر القوتين على التفاهم بدلا من التنافس. ولا شك في أن تحالف الولايات المتحدة والصين، اللتين قررتا التطور معا بدلا من الفناء معا، سيؤدي إلى أمواج تسونامي سياسية عميقة في بقية أنحاء العالم.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس