
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
إن عزلة الدولة الإسرائيلية، التي تتعمق يومًا بعد يوم، لن تنتهي بمجرد التخلص من بنيامين نتنياهو، «جزار غزة». فالإشكالية الصهيونية باتت تفرض ضغوطًا من جميع الجهات، ليس على إسرائيل وحدها، بل أيضًا على أوروبا والولايات المتحدة اللتين تشكلان دعامة لها.
يُصوَّر الأمر حاليًا وكأن المشكلة تقتصر على نتنياهو، مرتكب الإبادة الجماعية، وعصابة القتلة المحيطة به. وتشن وسائل الإعلام الصهيونية والسياسيون المعارضون هذه الأيام هجماتهم على نتنياهو باعتباره «كبش فداء». ويريدون إدانته وتبرئة أنفسهم من جرائمهم الجماعية في إبادة غزة. كما تتبع الحكومات الغربية التي قدمت كل أنواع الدعم للشبكات الصهيونية المرتكبة للإبادة التكتيك الماكر نفسه. ويبدو أنها حققت بالفعل نجاحًا في هذه الاستراتيجية.
والواقع أن استراتيجية العزل الوطني والعالمي المفروضة على نتنياهو بدأت تؤتي ثمارها. فقد اضطر، بسبب مخاوف من اعتقاله، إلى الهبوط في مطار آخر يبعد 160 كيلومترًا عن مدينة نيويورك، التي توجه إليها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم يتمكن من البقاء في الأمم المتحدة سوى أربع ساعات. كما غادر أكثر من 70 بلدًا القاعة خلال كلمته في الأمم المتحدة. وأمام مبنى المنظمة، تعرض أيضًا للعن من جانب متظاهرين من مختلف الفئات، وفي مقدمتهم اليهود الأرثوذكس. واحتُج عليه بكثافة عبر لافتات وهتافات تطالب باعتقاله ومحاكمته.
تشير كل هذه التطورات إلى أن نتنياهو قد تلقى تذكرة الرحيل، وأن مصيره سيُحسم قريبًا. وتكتب وسائل الإعلام الأمريكية هذه الأيام، بإسهاب وعلى نطاق واسع، أن نتنياهو تجاهل التحذيرات التي تلقاها من جهازي الاستخبارات الإماراتي والمصري، في الوقت الذي كانت فيه حماس لا تزال تستعد لهجوم «طوفان الأقصى» على المسجد الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واتهم غادي آيزنكوت، مرشح المعارضة الإسرائيلية لمنصب رئيس الوزراء، نتنياهو بـ«الخيانة العظمى» عقب انكشاف الفضيحة. وكما يتضح، فإن الدائرة تضيق أكثر فأكثر حول نتنياهو، في الداخل والخارج على حد سواء. أما حيلة «جزار غزة» المتمثلة في محاولة تحقيق اختراق من خلال هجماته الوقحة التي تستهدف تركيا والرئيس أردوغان، فلم تعد تجدي نفعًا.
لكن المسألة بالنسبة إلى إسرائيل لا تقتصر على نتنياهو والكراهية العالمية الموجهة إليه. فحتى السياسيون المعارضون في إسرائيل لا يقلون عنه في ارتكاب الإبادة الجماعية. وبالتالي، فإن فرص إفلات النظام القائم في إسرائيل، المستند إلى الصهيونية، من العقاب عبر التضحية بنتنياهو ضئيلة للغاية.
فحتى في الولايات المتحدة، التي تُعد الطرف الوحيد الذي يهتم به الصهاينة، فإن الوضع ليس جيدًا على الإطلاق. فبعد الشعب الأمريكي، بدأ السياسيون الأمريكيون أيضًا يبتعدون، ليس عن نتنياهو وشبكته المرتكبة للإبادة الجماعية فحسب، بل عن الفكر الصهيوني والدولة الإسرائيلية الحالية أيضًا.
وأبرز دليل على ذلك هو أن أيًا من القادة الغربيين لم يكلف نفسه عناء لقاء نتنياهو، الذي قدم إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة. ولم يصافح مجرم الحرب سوى رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس. وهو يتعرض أصلًا لهجوم وانتقادات حادة من المعارضة والشعب اليوناني بسبب هذا التصرف المخزي.
ومن الآن فصاعدًا، سيكون من الصعب للغاية على إسرائيل كسر عزلتها العالمية. فالسبيل الوحيد للخروج أمام إسرائيل يمر عبر تخليها عن الأيديولوجية الصهيونية العنصرية والاحتلالية. وبمعنى ما، يتعين على إسرائيل أن تمر بتغيير جذري في نظامها. وينبغي لها أن تتحول إلى طرف معقول وعقلاني يتناسب مع مرحلة ما بعد الصهيونية، وأن تنسحب إلى حدود عام 1967. وعلى إسرائيل المتغطرسة أن تختار: إما أن تتكيف مع هذا العالم ومعاييره، أو أن تُقصى عن هذا العالم، وتُعامل كأنها مصابة بالجذام.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











