ترك برس

قدّم الكاتب محمد علي أوجار، في مقال بصحيفة ستار التركية، تحليلاً معمّقاً حول التحوّل الجذري الذي تشهده أوروبا في مجال الدفاع والأمن، معتبراً أن القارة التي طالما اعتمدت على الحماية الأميركية بدأت تستيقظ على واقع جديد يفرض عليها إعادة بناء قدراتها العسكرية بنفسها. ويستهل أوجار تحليله بالإشارة إلى أن فرنسا أجرت أمس أول اختبار لإطلاق الصاروخ الباليستي إم51.3 القادر على حمل رؤوس نووية من غواصة، ليؤكد الرئيس إيمانويل ماكرون بعدها أن «الرسالة وُصِلت بوضوح تام إلى الجهة التي كان يجب أن تصل إليها». ويرى الكاتب أن هذا الاختبار ليس مجرد خطوة فنية، بل رمزٌ لتغيّر أكبر بكثير يعيشه الأوروبيون منذ بضع سنوات.

ويوضح أوجار أن نهاية الحرب الباردة دفعت معظم الدول الأوروبية إلى تسليم أمنها بشكل شبه كامل للولايات المتحدة. فصغرت الجيوش، وتباطأت برامج التحديث، وانخفضت أعداد الجنود، وتحوّلت ميزانيات الدفاع إلى تمويل التنمية والدولة الاجتماعية. وأصبحت ألمانيا، على وجه الخصوص، نموذجاً لهذا الاعتماد المتزايد على واشنطن. غير أن حرب أوكرانيا جاءت لتكسر هذا «الراحة الاستراتيجية»، فيما زاد رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دعا فيها أوروبا إلى تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها من حدة القلق، خاصة في ألمانيا التي تشعر بتهديد روسيا عن قرب. واليوم، يسعى الأوروبيون، وعلى رأسهم ألمانيا وفرنسا، إلى سدّ ثغرة استمرت عقوداً في غضون سنوات قليلة فقط.

ويسلّط الكاتب الضوء على التحوّل الأبرز الذي يجري في ألمانيا. فبعد عقود من الحذر التاريخي الناجم عن ذاكرة الحرب العالمية الثانية، بات الجيش الألماني (البوندسفير) يعيد بناء نفسه. وتهدف برلين إلى الوصول بحلول عام 2035 إلى 260 ألف جندي نظامي و200 ألف احتياطي. كما بدأت السلطات ترسل رسائل واستبيانات إلى الشباب الذين يبلغون سن الثامنة عشرة، وقد وُزّع حتى الآن نحو 400 ألف استبيان. والإجابة إلزامية على الذكور، غير أن نسبة من يبدون اهتماماً بالخدمة العسكرية لا تتجاوز 20% من المستجيبين في سن التجنيد. ومع ذلك، غيّرت حرب روسيا وأوكرانيا نظرة المجتمع الألماني إلى الدفاع والجيش. فوفقاً لاستطلاع أجراه البوندسفير مؤخراً لعام 2026، يؤيد 64% من الألمان زيادة أعداد الجنود، ويدعم 58% رفع الإنفاق الدفاعي، بينما يرى 59% أن النموذج الجديد للخدمة العسكرية ضروري.

ويشدّد أوجار على ضرورة قراءة اختبار الصاروخ الفرنسي وهذا التحوّل الألماني معاً. فأوروبا التي همّشت قدراتها العسكرية لعقود طويلة بدأت تعتبرها مجدداً أحد أركانها الأساسية. وهنا ينتقل الكاتب إلى التجربة التركية، مؤكداً أن ما تكتشفه أوروبا اليوم ليس جديداً على تركيا. فمنذ نحو عشرين عاماً، وتحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، عملت أنقرة على تقليل الاعتماد الخارجي في الصناعات الدفاعية، فبنت منظومة متكاملة تمتد من الطائرات المسيّرة إلى السفن الحربية، ومن أنظمة الصواريخ إلى الحرب الإلكترونية. وفي عام 2025، سجلت صادرات الدفاع والفضاء التركية رقماً قياسياً بلغ 10 مليارات دولار.

ويضيف أوجار أن معارض مثل آيدف وساها إكسبو يجب فهمها في هذا الإطار. فتركيا لا تكتفي برفع قدرتها الإنتاجية، بل تحوّلت إلى مركز دولي يجمع المنتجين والجيوش وصنّاع القرار والتكنولوجيا. وقد شكّل معرض آيدف 2025، الذي شاركت فيه نحو 1500 شركة ومثّل أكثر من مئة دولة، دليلاً ملموساً على هذا الموقع. وفي زمن يستمر فيه الصراع الروسي-الأوكراني، وتشهد فيه العلاقات الأميركية-الإيرانية مواجهة مباشرة، وتتوالى الأزمات الإقليمية، أكّد هذا المشهد للعالم وزن تركيا في المجال الدفاعي.

ويخلص الكاتب إلى أن التحوّل الأوروبي الحالي يبرهن مرة أخرى على أن سياسات الأمن لا تُبنى في لحظة الأزمة. فالصناعة الدفاعية تحتاج أولاً إلى قيادة قوية وإرادة سياسية، ثم إلى تكنولوجيا وكوادر بشرية وقدرات إنتاجية وثقافة استراتيجية تُشيَّد على مدى سنوات طويلة. ويختتم أوجار تحليله بعبارة عبد الحق مولا التي يعود تاريخها إلى نحو قرنين، والتي يستخدمها الرئيس أردوغان بين الحين والآخر، لأنها تلخّص الوضع العالمي بدقة: «كن مستعداً للحرب إن كنت ترغب في السلم والصلاح».

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!