
تونجا بنغين - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
تعيش إسرائيل حالة من الذعر بسبب الإرادة التي عبّر عنها الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل (الناخبون العرب) خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والنتيجة السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع... فقد واجهوا نتيجة لم يتوقعوها إطلاقاً، تمثلت في ارتفاع عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب العربية... وأصبح كل من معسكري الحكومة والمعارضة، اللذين لم يتمكنا من بلوغ العدد اللازم لتشكيل حكومة بمفردهما، مضطرين إلى الأحزاب العربية... وفي ظل حالة الصدمة التي أحدثتها هذه النتيجة، يطلقون تصريحات واتهامات عبثية وغير منطقية، ويتحدثون عن حدوث تدخل خارجي في صناديق الاقتراع، دون وعي... وذلك رغم إعلان الشرطة الإسرائيلية، عقب التحقيقات التي أجرتها، أنها لم تعثر على أي مؤشرات أو أدلة ملموسة تؤكد صحة هذه الاتهامات. لكن نتنياهو يصر على القول: «ينبغي أن يحقق الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) والموساد (جهاز الاستخبارات الخارجية) في هذه القضية». وقد انساق رئيس لجنة الانتخابات المركزية وراء هذه السخافة، وطلب من الشاباك فتح تحقيق...
إن العقول الصهيونية المريضة تتجاهل، بتواطؤ فيما بينها، الحقائق التي تشكل أبرز العوامل التي دفعت الناخبين الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع، وفي مقدمتها المجازر المتواصلة في غزة، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، والخطابات العنصرية للوزراء اليمينيين المتطرفين، فضلاً عن مشكلتي الجريمة المنظمة والتفاوت الاقتصادي اللتين يجري تجاهلهما داخل المجتمع العربي. إنهم لا يريدون فهم رد فعل الشعب الفلسطيني، ولا سماع صوته الذي صدح به عبر صناديق الاقتراع. ويحسبون أنهم يستطيعون تمرير كذبة التدخل الخارجي على «الشعب الإسرائيلي والرأي العام العالمي»... والنية واضحة: تشويه سمعة الأحزاب العربية ونوابها، وإثارة قلقهم وتخويفهم، بل والعمل، إن أمكن، على إلغاء الانتخابات بطريقة ما...
في الحقيقة، لا قيمة فعلية لما يقولونه. فكل ما في الأمر أكاذيب وتدبير قذر... وفي الظروف الطبيعية، وفي دولة طبيعية، ستكون توقعاتهم هذه عبثية أيضاً. فالعقل السوي لا يقدم على مثل هذا التصرف الشاذ. لكن الحقيقة أن إسرائيل لم تُحكم يوماً بعقل سوي... ومن المؤسف أن من الواضح أيضاً أن غالبية الشعب الإسرائيلي واقعة تحت تأثير هذه العقول المريضة... فقد تقاسم تكتلان من اليمين المتطرف والعنصرية 101 مقعد من أصل 120 في البرلمان (48 مقابل 53)... ولا يوجد اختلاف بينهما في نظرتهما إلى غزة والشعب الفلسطيني، باستثناء اختلاف الأساليب ونبرة الخطاب... لا أحد يكترث بالإبادة الجماعية في غزة، ولا بمقتل 74 ألف إنسان، ولا بالنساء والأطفال الذين قُتلوا... ولا سيما أن نتنياهو القاتل يروّج في الوقت الراهن لفكرة أن التعاون مع الأحزاب العربية يمثل خيانة لإسرائيل... وذلك بهدف منع تشكيل ائتلاف محتمل بين آيزنكوت والأحزاب العربية...
أما الحديث عن إصدار أوامر استدعاء للشاباك والموساد للقيام بمهمة، فمعناه واضح:
يتهم نتنياهو الأحزاب العربية بأنها «تدعم الإرهاب وتسعى إلى تدمير الدولة اليهودية»، ويطالب الأجهزة الأمنية وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) بالتحرك العاجل ضد هذا الوضع «بقبضة من حديد»... أما وزير الأمن القومي الصهيوني النازي بن غفير، فقد دعا إلى اعتقال قادة الأحزاب العربية مباشرة... ومن الواضح أن الشاباك، الذي وجد في هذه التطورات ذريعة لأداء مهمة، سيكثف بدرجة أكبر ممارساته القائمة أصلاً على الحرب النفسية واغتيال السمعة وانتهاك الحقوق الشخصية، وسيقدم على ارتكاب شتى أنواع التجاوزات القذرة. وفي هذا السياق، تُستخدم ضد القادة السياسيين الذين يلتزمون بالإطار القانوني، في المقام الأول، أساليب التجسس الرقمي والتضييق المالي والقيود الإدارية وتشويه السمعة؛ أما الذين يجري تصنيفهم باعتبارهم تهديداً للأمن القومي، فتُستخدم ضدهم مجموعة واسعة من أساليب الهجوم، تمتد إلى الاعتقال والعزل والعمليات الميدانية، بل والتعذيب، ومن المعروف أن هذه الممارسات تُنفذ بالفعل...
وثمة أيضاً مخاطر محتملة تتمثل في تفريغ حق التصويت من مضمونه عملياً، أو إغلاق الأحزاب، أو سلب حق الترشح للانتخابات، بسبب الانزعاج من النجاح الانتخابي للأحزاب العربية... فنحن نتحدث في نهاية المطاف عن إسرائيل التي ترتكب شتى أنواع الممارسات القذرة والدنيئة، ولا تلتزم بأي حدود قانونية أو أخلاقية، وتبدو أقرب إلى منظمة إرهابية منها إلى دولة... وقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة هذه الممارسات وأثبتتها بالفعل...
ويأتي في مقدمة الذين يحذرون من أن هذا المسار سيؤدي إلى كارثة بالنسبة لإسرائيل، مديرون سابقون لجهاز الموساد، ورؤساء سابقون للشاباك، ورؤساء سابقون لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي... إذ يعبر هؤلاء المسؤولون بوضوح، في بياناتهم وتحليلاتهم المشتركة، عن أن الأيديولوجية اليمينية المتطرفة تعمي إسرائيل أخلاقياً واستراتيجياً، وتقود البلاد نحو الكارثة... وتتعمق الهوة بين اليهود العلمانيين والكتلة المتدينة واليمينية المتطرفة. كما أن دفع المواطنين العرب، الذين يشكلون 21 بالمئة من سكان إسرائيل، إلى خارج المنظومة، وسلب حقوقهم المدنية، وتهميشهم تحت ضغط الشاباك، ينذر بانفجار اجتماعي يصعب احتواؤه، وبخطر اندلاع حرب أهلية... ويرى كثير من المحللين أن إسرائيل قد لا تنهار بفعل عوامل خارجية، بل قد تتسبب في انهيار نفسها نتيجة دوامة الكراهية المتصاعدة داخلها...
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













