ترك برس

تفتح الخطة التركية لإعادة تأهيل القوات البحرية السورية آفاقًا جديدة للتعاون بين دمشق وأنقرة، تتجاوز صيانة السفن وتطوير الموانئ إلى تعزيز أمن السواحل واستعادة القدرات البحرية السورية. وبين فرص الاستفادة من الخبرات التركية والتحديات الأمنية والاقتصادية، تبرز تساؤلات حول مستقبل هذا التعاون وإمكان مساهمته في تعزيز حضور سوريا في ملفات الطاقة والثروات البحرية بشرق المتوسط.

وتشمل الخريطة صيانة السفن وإصلاحها وتحديثها، وبناء سفن جديدة، وتطوير البنية التحتية للموانئ، إلى جانب برامج التدريب البحري، بعد زيارة وفد عسكري تركي إلى مدينة اللاذقية وإجرائه معاينات ميدانية للاحتياجات السورية.

وسلط تقرير لموقع "تلفزيون سوريا" الضوء على أبعاد الاتفاق وإمكانات تنفيذه، حيث نقلت آراء حول الموضوع عن الأكاديمي المختص بالشأن التركي سمير صالحة، والمحلل العسكري والاستراتيجي وضابط البحرية السابق العميد أحمد رحال.

بحرية تحتاج إلى إعادة بناء

قال العميد أحمد رحال إن وضع القوات البحرية السورية يجعل الحديث أقرب إلى إعادة البناء منه إلى مجرد الصيانة أو التحديث، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من القدرات العسكرية السورية تعرض للتدمير، وأن ما تبقى من القطع البحرية يعاني من مشكلات مرتبطة بالتقادم وغياب الصيانة والكوادر الفنية.

وأضاف رحال أن الخبرة التركية قد تمنح سوريا فرصة لبناء قدرات بحرية جديدة، بالنظر إلى ما تمتلكه تركيا من خبرة في تصنيع السفن والصناعات الدفاعية البحرية.

وأوضح أن تقييم بعض القطع الموجودة قد يقود إلى نتيجة مفادها أن تكلفة إصلاحها تقترب من تكلفة تصنيع أو شراء قطع جديدة، ما يجعل بناء قدرات بحرية حديثة خياراً أكثر جدوى في بعض الحالات.

وفي المقابل، رأى أن بعض مكونات البنية التحتية البحرية قد تكون قابلة للإصلاح والتأهيل، إلى جانب إمكانية البدء بقطع ومعدات محدودة قبل الانتقال لاحقاً إلى مراحل أكثر تقدماً.

 ما الذي تستطيع تركيا تقديمه؟

يرى رحال أن الأولوية في المرحلة الأولى قد تكون لتزويد القوات البحرية السورية بمعدات وقطع مناسبة لاحتياجاتها الحالية، بالتوازي مع إعادة تأسيس البنية التحتية والتدريب، مستبعداً أن تبدأ العملية مباشرة بأسلحة بحرية كبيرة أو قدرات هجومية متقدمة بسبب الكلفة والإمكانات السورية الحالية.

من جهته، قال سمير صالحة إن التعاون السوري التركي في المجال البحري لا يمكن فصله عن المسار الأوسع للعلاقات بين البلدين، معتبراً أن التنسيق يتجاوز مسألة بيع أو تقديم قطع بحرية إلى التعاون في إعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية.

وأشار إلى أن أهمية الملف البحري ترتبط أيضاً بموقع سوريا على شرق البحر المتوسط، وما يمثله هذا الموقع من أهمية استراتيجية وسياسية واقتصادية لتركيا ودول المنطقة.

 الحد الأدنى المطلوب

حدد رحال مجموعة من القدرات التي يمكن أن تشكل أساساً أولياً لإعادة بناء القوات البحرية السورية، من بينها منظومات المراقبة والرادارات الساحلية، وقدرات حماية الساحل، وسفن الحراسة، وخفر السواحل، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة في أعمال الرصد والمراقبة البحرية.

وأشار إلى أن القوات البحرية السورية كانت تمتلك سابقاً زوارق صاروخية ومنظومات صواريخ ساحلية وسفن إنزال ومراقبة ساحلية، إلا أن استعادة هذا المستوى من القدرات تحتاج إلى موارد مالية ضخمة.

وأكد أن بناء الكادر البشري يمثل تحدياً لا يقل أهمية عن شراء المعدات، إذ تحتاج سوريا إلى ضباط وفنيين وأطقم قادرة على تشغيل القطع البحرية وإجراء أعمال الصيانة الدورية، وهي عملية قال إنها تحتاج إلى سنوات من التدريب والعمل.

مخاوف من الاستهداف الإسرائيلي

ويبرز، بحسب رحال، تحدٍّ آخر يتعلق بإمكانية تعرض أي قدرات عسكرية جديدة داخل سوريا للاستهداف من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

وقال إن بناء قوات بحرية جديدة يحتاج، إلى جانب الدعم الفني والعسكري، إلى تفاهمات وضمانات سياسية وأمنية مع قوى إقليمية ودولية تحول دون تدمير المعدات الجديدة بعد إدخالها إلى سوريا.

واتفق صالحة على أن هذا الاحتمال يمثل تحدياً، لكنه رأى أن إعادة بناء الدولة السورية لا يمكن أن تتوقف بسبب احتمال حدوث هجمات إسرائيلية، مشيراً إلى أن التحولات والتوازنات الإقليمية المحيطة بسوريا قد تؤثر في طبيعة التحركات الإسرائيلية مستقبلاً.

وشدد على أهمية توفير دعم سياسي وأمني لسوريا بالتوازي مع إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والمدنية.

شرق المتوسط والغاز

ويتجاوز البعد المحتمل للتعاون السوري التركي، وفق صالحة، المجال العسكري المباشر إلى موقع سوريا في معادلات شرق المتوسط وملفات الطاقة والغاز.

وقال إن أنقرة تحدثت أكثر من مرة عن ضرورة مشاركة سوريا في النقاشات المتعلقة بشرق المتوسط، معتبراً أن استعادة دمشق لقدراتها البحرية والمؤسساتية قد تساعدها مستقبلاً على الحضور بصورة أكبر في الملفات المرتبطة بالطاقة والثروات البحرية.

وفرّق صالحة بين ملف ترسيم الحدود البحرية وحق سوريا في التنقيب ضمن مياهها الإقليمية، مشيراً إلى أن البدء باستثمار الموارد الموجودة ضمن المياه السورية يمكن أن يمثل مصدراً اقتصادياً مهماً للبلاد.

كما أشار إلى أن دول شرق المتوسط عقدت خلال السنوات الماضية سلسلة من الاتفاقيات وأنشأت أطر تعاون مرتبطة بالغاز والطاقة، في وقت بقيت فيه سوريا إلى حد كبير خارج هذه الترتيبات.

 سنوات لإعادة بناء القدرات

ويرى ضيفا "سوريا اليوم" أن نتائج التعاون لن تظهر دفعة واحدة، إذ يتطلب بناء قوة بحرية سورية جديدة تمويلاً كبيراً، وتأهيل البنية التحتية، وتدريب الكوادر، وتأمين المعدات والقطع البحرية، فضلاً عن توفير بيئة سياسية وأمنية تسمح باستمرار المشروع.

وبينما تبدو تركيا مستعدة لتقديم الخبرة الفنية والتدريب والمساهمة في إعادة التأهيل، فإن حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه سيظل مرتبطاً، بحسب النقاش، بالإمكانات الاقتصادية السورية والتفاهمات السياسية والإقليمية المحيطة بالملف.

وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت أن وفداً يضم مسؤولين من قيادة القوات البحرية التركية وممثلين عن شركة "أسفات" التابعة للوزارة أجرى زيارة إلى اللاذقية، بحث خلالها مع الجانب السوري احتياجات صيانة السفن وتحديثها وبناء قطع جديدة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية للموانئ وبرامج التدريب الفردي والجماعي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!